الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٢
فيها بالفعل. و النقط و الخطوط قطوع. بل الجسم إنما هو جسم لأنه بحيث يصلح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة كل واحد منها قائم على الآخر، و لا يمكن أن تكون فوق ثلاثة؛ فالذي يفرض فيه أولا هو الطول، و القائم عليه العرض، و القائم عليهما في الحد المشترك هو العمق، و هذا المعنى منه صورة الجسمية. و أما الأبعاد المحدودة التي تقع فيه فليست صورة له بل هي من باب الكم، و هي لواحق لا مقومات، و لا يجب أن يثبت شيء منها له، بل مع كل تشكيل يتجدد عليه يبطل كل بعد متحدد كان فيه، و ربما اتفق في بعض الأجسام أن تكون هذه الأبعاد لازمة له لا تفارق ملازمة أشكالها، و كما أن الشكل لاحق فكذلك ما يتحدد بالشكل. و كما أن الشكل لا يدخل في تحديد جسميته فكذلك الأبعاد المتحددة، فالصورة الجسمية موضوعة لصناعة الطبيعيين أو داخلة فيها. و الأبعاد المتحددة موضوعة لصناعة التعاليميين أو داخلة فيها ثم الصورة الجسمية طبيعية وراء الاتصال يلزمها الاتصال، و هي بعينها قابلة للانفصال، و من المعلوم أن قابل الاتصال و الانفصال أمر وراء الاتصال و الانفصال فإن القابل يبقى بطريان أحدهما، و الاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال، و ظاهر أن هاهنا جوهرا غير الصورة الجسمية هو الهيولى التي يعرض لها الانفصال و الاتصال معا. و هي تقارن الصورة الجسمية، فهي التي تقبل الاتحاد بالصورة الجسمية فتصير جسما واحدا بما يقومها، و ذلك هو الهيولى أو المادة [١].
و المادة لا يجوز أن تفارق الصورة الجسمية و تقوم موجودة بالفعل، و الدليل عليه من وجهين:
أحدهما: أن لو قدرناها مجردة لا وضع لها و لا حيز، و لا أنها تقبل الانقسام، فإن هذه كلها صور. ثم قدرنا أن الصورة صادفتها، فإما أن تكون صادفتها دفعة،
[١] لأنها إن فارقتها فإما أن يكون لها وضع و حيّز في الوجود الذي لها حينئذ أو لا يكون. فإن كان لها وضع و حيز، و كان يمكن أن تنقسم فهي لا محالة ذات مقدار و قد فرضت لا مقدار لها، و إن لم يمكن. أن تنقسم و لها وضع فهي لا محالة نقطة و يمكن أن ينتهي إليها خط.