الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١١
إليه الكثرة بوجه لم يتطرق إليه التقسيم، بل توجه إلى الممكن بذاته فانقسم إلى جوهر و عرض. و قد عرفناهما برسميهما، و أما نسبة أحدهما إلى الآخر فهو أن الجوهر محل مستغن في قوامه عن الحال فيه، و العرض حال فيه غير مستغن في قوامه عنه. فكل ذات لم تكن في موضوع و لا قوامها به فهو جوهر، و كل ذات قوامها في موضوع فهو عرض. و قد يكون الشيء في المحل و يكون مع ذلك جوهرا لا في موضوع إذا كان المحل القريب الذي هو فيه متقوما به و ليس متقوما بذاته ثم مقوما له و نسميه صورة، و هذا هو الفرق بينهما و بين العرض. و كل جوهر ليس في موضوع فلا يخلو: إما أن يكون في محل أصلا، أو يكون في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل. فإن كان في محل بهذه الصفة، فإنا نسميه صورة مادية. و إن لم يكن في محل أصلا فإما أن يكون محلا بنفسه لا تركيب فيه، أو لا يكون. فإن كان محلا بنفسه لا تركيب فيه فإنا نسميه الهيولي المطلقة. و إن لم يكن فإما أن يكون مركبا مثل أجسامنا المركبة من مادة و صورة جسمية، و إما أن لا يكون [١] و ما ليس بمركب فلا يخلو: إما أن يكون له تعلق ما بالأجسام، أو لم يكن له تعلق. فما له تعلق نسميه نفسا. و ما ليس له تعلق فنسميه عقلا و أما أقسام العرض فقد ذكرناها، و حصرها بالقسمة الضرورية متعذر.
المسألة الثانية: في تحقيق الجوهر الجسماني و ما يتركب منه، و أن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة، و أن الصورة متقدمة على المادة في مرتبة الوجود.
اعلم أن الجسم الموجود ليس جسما بأن فيه أبعادا ثلاثة بالفعل، فإنه ليس يجب أن يكون في كل جسم نقط أو خطوط بالفعل، و أنت تعلم أن الكرة لا قطع
[١] أي أن لا يكون مركبا، و نسميه صورة مفارقة كالعقل و النفس، و أما إذا كان الشيء في محل هو موضوع نسميه عرضا و مادة الصورة الجسمية لا تخلو عن الصورة الجسمية، و لو كانت خلوا عن الأقطار لكانت حينئذ غيركم البتة، و كانت غير متجزئة الذات متأبية عليه، أي و لم يكن في قوته أن يتجزأ ذاته حتى يكون جوهرا مفارقا فما كان يمكن أن يحلها مقدار لأن غير المتجزئ لا يطابق التجزؤ و هذا مبدأ للطبيعيات.