الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٩١
أو إثبات، مثل تصورنا ماهية الإنسان. و أما التصديق فهو أن تدرك أمرا و أمكنك أن تحكم عليه بنفي أو إثبات مثل تصديقنا بأن للكل مبدأ. و كل واحد من القسمين منه ما هو أوّلي. و منه ما هو مكتسب. فالتصور المكتسب إنما يستحصل بالحد و ما يجري مجراه، و التصديق المكتسب إنما يستحصل بالقياس و ما يجري مجراه.
فالحد و القياس آلتان بهما تحصل المعلومات التي لم تكن حاصلة فتصير معلومة بالروية [١]، و كل واحد منهما منه ما هو حقيقي، و منه ما هو دون الحقيقي، و لكنه نافع منفعته بحسبه. و منه ما هو باطل مشتبه بالحقيقي. و الفطرة الإنسانية غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف إلا أن تكون مؤيدة من عند اللّه عز و جل، فلا بد إذن للناظر من آلة قانونية تعصمه مراعاتها عن أن يضل في فكره. و ذلك هو الغرض من المنطق.
ثم إن كل واحد من الحد و القياس فمؤلف من معان معقولة بتأليف محدود.
فيكون لها مادة منها ألفت، و صورة بها التأليف. و الفساد قد يعرض من إحدى الجهتين، و قد يعرض من جهتيهما معا. فالمنطق هو الذي نعرف به: من أي المواد و الصور يكون الحد الصحيح و القياس السديد الذي يوقع يقينا. و من أيها ما يوقع عقدا شبيها باليقين. و من أيها ما يوقع ظنا غالبا. و من أيها ما يوقع مغالطة و جهلا، و هذه فائدة المنطق. ثم لما كانت المخاطبات النظرية بألفاظ مسموعة، و الأفكار العقلية بأقوال عقلية؛ فتلك المعاني التي في الذهن من حيث يتأدى بها إلى غيرها كانت موضوعات المنطق، و معرفة أحوال تلك المعاني مسائل علم المنطق و كان المنطق بالنسبة إلى المعقولات على مثال النحو بالنسبة إلى الكلام، و العروض إلى الشعر [٢]، فوجب على المنطقي أن يتكلم في الألفاظ أيضا من حيث تدل على المعاني.
[١] يفهم من قوله بالروية أن من المعلومات بالطبع لا بالطلب و الاكتساب كعلمنا بأوائل المعقولات و المحسوسات و كعلم الأوليات و سائر المعاني المعلومة.
[٢] لكن الفطرة السليمة و الذوق السليم ربما استغنيا عن تعلم النحو و العروض، و ليس شيء من الفطرة الإنسانية بمستغن في استعمال الروية عن التقدم باعداد هذه الآلة إلا أن يكون مؤيدا من عند اللّه.