الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨٦
فيجب أن يسبق الوجود طبيعة ما قابلة للوجود. و إما أن يقال: لم يكن معدوما يمكن أن يوجد بل أوجده عن لا شيء، و أبدع وجوده، من غير توهم شيء سبقه، و هو ما يقوله الموحدون.
قال: فأول فعل فعله هو الجوهر، إلا أن كونه جوهرا وقع بالحركة فوجب أن يكون بقاؤه جوهرا بالحركة، و ذلك أنه ليس للجوهر أن يكون بذاته بمنزلة الوجود الأول لكن من التشبه بذلك الأول، و كل حركة تكون فإما أن تكون على خط مستقيم و إما على الاستدارة، فتحرك الجوهر بهاتين الحركتين. و لما كان وجود الجوهر بالحركة وجب أن يتحرك الجوهر في جميع الجهات التي يمكن فيها الحركة، فيتحرك جميع الجوهر في جميع الجهات حركة مستقيمة على جميع الخطوط و هي ثلاثة: الطول، و العرض، و العمق، إلا أنه لم يكن له أن يتحرك على هذه الخطوط بلا نهاية، إذ ليس يمكن فيما هو بالفعل أن يكون بلا نهاية، فتحرك الجوهر في هذه الأقطار الثلاثة حركة متناهية على خطوط مستقيمة، و صار بذلك جسما، و بقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها أن يتحرك بأجمعه حركة على الاستدارة، لأن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه. فعند ذلك انقسم الجوهر فتحرك بعضه على الاستدارة و سكن بعضه في الوسط. قال: و كل جسم يتحرك فيماسّ جسما ساكنا في طبيعته قبول التأثير منه حركه معه. و إذا حركه سخن، و إذا سخن لطف و انحل و خف، فكانت النار تلي الفلك. و الجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك و يتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل، فلا يتحرك لذلك بأجمعه لكن جزء منه، فيسخن دون سخونة النار، و هو الهواء، و الجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك، فهو بارد لسكونه، و حار حرارة يسيرة بمجاورته الهواء، و لذلك انحل قليلا، و هو الماء. و أما الجسم الذي يلي الماء في الوسط فلأنه بعد في الغاية عن الفلك، و لم يستفد من حركته شيئا، و لا قبل منه تأثيرا:
سكن و برد، و هذه هي الأرض. و إذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها من بعض اختلطت، و تولد عنها أجسام مركبة، و هذه هي الأجسام المحسوسة.