الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨٣
و كل نوع من أنواع النبات و الحيوان مختص بطبيعة خاصة، و حدّوا الطبيعة العامة بأنها مبدأ الحركات في الأشياء و السكون فيها على الأمر الأول من ذواتها، و هي علة الحركة في المتحركات، و علة السكون في الساكنات، و زعموا أن الطبيعة هي التي تدبر الأشياء كلها في العالم: حيوانه و نباته و مواته، تدبيرا طبيعيا، و ليست هي حية و لا قادرة، و لا مختارة، و لكن لا تفعل إلا حكمة و صوابا، و على نظم صحيح و ترتيب محكم.
قال ثامسطيوس: قال أرسطوطاليس في مقالة اللام «إن الطبيعة تفعل ما تفعل من الحكمة و الصواب، و إن لم تكن حيوانا، لأنها ألهمت من سبب هو أكرم منها» و أومأ إلى أن السبب هو اللّه عز و جل، و قال أيضا: إن الطبيعة طبيعتان: طبيعة هي مستعلية على الكون و الفساد بكليتها و جزئيتها، يعني الفلك و النهيرات و طبيعة يلحق جزئياتها الكون و الفساد لا كلياتها، يريد بالجزئيات الأشخاص، و بالكليات الأسطقسات.
٨- رأي الإسكندر الأفروديسي [١]
و هو من كبار الحكماء رأيا و علما، و كلامه أمتن، و مقالته أرصن، وافق أرسطوطاليس في جميع آرائه، و زاد عليه في الاحتجاج على أن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها كلياتها و جزئياتها [٢] على نسق واحد، و هو عالم بما كان و بما سيكون، و لا يتغير علمه بتغير المعلوم، و لا يتكثر بتكثره.
[١] ولد في أفردوسيا من أعمال آسيا الصغرى، و تفقه في الفلسفة على أساتذة أرسطوطاليين أشهرهم أرسطوقليس، و كان أشهر شراح أرسطو حتى لقبه خلفاؤه بأرسطو الثاني، فقصد في شروحه إلى تفسير آراء أرسطو و تبريرها أمام المدارس الأخرى و بخاصة الرواقية. و من مصنفاته كتاب السماع الطبيعي و الكون و الفساد و الآثار العلوية، و له كتاب النفس و العناية في الفرق بين الهيولى و الجنس و غيرها.
(تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٣٠٢).
[٢] و يتفق رأيه هذا و ما جاء به الدين من أن اللّه يعلم الجزئيات المتغيرة علمه بالأمور الكلية. فالعلم بالجزئيات جاء علم اللّه بها صراحة في القرآن الكريم وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.