الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨١
العلوية التي بلا نهاية، و كان هذا واحدا منها [١]. و بقي جوهر كل قشر و دنس و خبث و يكون له أهل يلبسه، لأنه غير جائز أن تكون الأنفس الطاهرة التي لا تلبس الأدناس و القشور، مع الأنفس الكثيرة القشور في عالم واحد، و إنما يذهب من هذا العالم ما ليس من جهة المتوسطات الروحانية، و ما كان القشر و الدنس عليه أغلب. فأما ما كان من الباري تعالى بلا متوسط، أو كان من متوسط بلا قشر، فإنه لا يضمحل قال: و إنما يدخل القشر على الشيء من غير المتوسطات فيدخل عليه بالعرض لا بالذات، و ذلك إذا كثرت المتوسطات، و بعد الشيء عن الإبداع الأول، لأنه حيثما قلت المتوسطات في الشيء كان أنور، و أقل قشورا و دنسا، و كلما قلت القشور و الدنس كانت الجواهر أصفى، و الأشياء أبقى.
و مما ينقل عن برقلس أنه قال: إن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها: أجناسها، و أنواعها، و أشخاصها. و خالف بذلك أرسطوطاليس، فإنه قال يعلم أجناسها و أنواعها دون أشخاصها الكائنة الفاسدة، فإن علمه يتعلق بالكليات دون الجزئيات، كما ذكرنا.
و مما ينقل عنه في قدم العالم قوله: لن يتوهم حدوث العالم إلا بعد أن يتوهم أنه لم يكن، فأبدعه الباري تعالى في الحالة التي لم يكن. و في الحالة التي لم يكن لا يخلو من حالات ثلاث:
١- إما أن الباري لم يكن قادرا فصار قادرا، و ذلك محال لأنه قادر لم يزل.
٢- و إما أنه لم يرد فأراد، و ذلك محال أيضا لأنه مريد لم يزل.
[١] فهو يرى أن هذا العالم مآله و آخر أمره إلى الصفاء و الخيرية شبيها بالعالم الروحاني، فالشر ليس أبديا، بل هو عارض، فبرأ الأول و هو البسيط الباطن من دنس العالم المنتشر فيه و العالق به، إذ أن العالم إذا ما تغيرت قشوره و ذهب دنسه و رجسه لحق بعالمه و صار بسيطا روحانيا تشع فيه الجواهر الصافية النورانية، إذا ما تسنم المنزلة الروحية كعالمه الأعلى الذي هو بلا نهاية، و كان هذا العالم و احدا منها، و في هذا ما يطمئن النفوس على مستقبل هذا العالم، لأن نهايته إلى صفاء و خير.