الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٨٠
و اللب، و عالم الكدورة و القشر. فاتصل بعضه ببعض، و كان آخر هذا العالم من بدء ذلك العالم. فمن وجه لم يكن بينهما فرق، فلم يكن هذا العالم داثرا، إذ كان متصلا بما ليس يدثر. و من وجه: دثرت القشور، و زالت الكدرة. و كيف تكون القشور غير داثرة و لا مضمحلة؟ و ما لم تزل القشور باقية كانت اللبوب خافية، و أيضا فإن هذا العالم مركب، و العالم الأعلى بسيط، و كل مركب ينحل حتى يرجع إلى البسيط الذي تركب منه، و كل بسيط باق دائما غير مضمحل و لا متغير».
قال الذي يذبّ عن برقلس: هذا الذي نقل عنه هو المنقول عن مثله، بل الذي أضاف إليه هذا القول الأول لا يخلو من أحد أمرين: إما أنه لم يقف على مرامه للعلة التي ذكرنا فيما سلف، و إما لأنه كان محسودا عند أهل زمانه، لكونه بسيط الفكر، واسع النظر، ساير القوى. و كانوا أولئك أصحاب أوهام و خيالات.
فإنه يقول في موضع من كتابه: إن الأوائل منها تكونت العوالم، و هي باقية لا تدثر و لا تضمحل، و هي لازمة الدهر، ماسكة له، إلا أنها من أول واحد، لا يوصف بصفة، و لا يدرك بنعت و نطق، لأن صور الأشياء كلها منه و تحته. و هي الغاية و المنتهى التي ليس فوقها جوهر هو أعظم منها إلا الأول الواحد، و هو الأحد الذي قوته أخرجت هذه الأوائل، و قدرته أبدعت هذه المبادي.
و قال أيضا: إن الحق لا يحتاج إلى أن يعرف ذاته، لأنه حق حقا بلا حق، و كل حق حقا فهو تحته؛ إنما هو حق حقا إذ حققه الموجب له الحق. فالحق هو الجوهر الممد للطباع الحياة و البقاء، و هو أفاد هذا العالم بداء و بقاء بعد دثور قشوره. و زكى البسيط الباطن من الدنس الذي كان فيه قد علق به.
و قال: إن هذا العالم إذا اضمحلت قشوره و ذهب دنسه، و صار بسيطا روحانيا بقي بما فيه من الجواهر الصافية النورانية في حد المراتب الروحانية، مثل العوالم