الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٧٧
٦- شبه برقلس [١] في قدم العالم
إن القول في قدم العالم و أزلية الحركات بعد إثبات الصانع، و القول بالعلة الأولى إنما شهر بعد أرسطوطاليس، لأنه خالف القدماء صريحا، و أبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة و برهانا، فنسج على منواله من كان من تلامذته و صرحوا القول فيه مثل الإسكندر الأفروديسي، و ثامسطيوس، و فورفوريوس.
و صنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا و أورد فيه هذه الشبه [٢]، و إلا فالقدماء إنما أبدوا فيه ما نقلناه سالفا.
الشبهة الأولى: قال: إن الباري تعالى جواد بذاته، و علة وجود العالم جوده، و جوده قديم لم يزل، فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل.
قال: و لا يجوز أن يكون مرة جوادا، و مرة غير جواد، فإنه يوجب التغير في ذاته، فهو جواد لذاته، لم يزل. قال: و لا مانع من فيض جوده، إذ لو كان مانع لما كان من ذاته بل من غيره، و ليس لواجب الوجود لذاته حامل على شيء، و لا مانع من شيء.
الشبهة الثانية: قال: ليس يخلو الصانع من أن يكون لم يزل صانعا بالفعل، أو لم يزل صانعا بالقوة، أي يقدر أن يفعل و لا يفعل. فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل، و إن كان الثاني فما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج، و مخرج
[١] برقلس أو بروكلوس فيلسوف يوناني أفلاطوني. ولد في القسطنطينية سنة ٤١٢ م. أقام في الإسكندرية يأخذ العلم عن أشهر المدرسين، ثم رحل إلى أثينا و خلف سريانوس في مدرستها بعد وفاته و تمسك بمذهب التزهد الذي كان شائعا في المدرسة الأفلاطونية و امتنع عن الأطعمة الحيوانية، و رفض الزواج، و صرف أمواله في الأعمال الخيرية، كان مشهورا في الرياضيات و العلوم اللغوية، و تآليفه الباقية أكثرها شروح و بخاصة شروحه على كتب أفلاطون، و من تآليفه كتاب بعنوان «اثنين و عشرين برهانا ضد المسيحية» حاول فيه أن يثبت أبدية الكون. توفي بأثينا سنة ٤٨٥ م. (دائرة المعارف للبستاني ٥: ٣٩٣).
[٢] يضاف إلى هذا الكتاب كتاب آخر في العناية و في الغدر، و كتاب في الشرور و قيامها بأنفسها، و هذه الكتب الثلاثة ضاعت أصولها اليونانية، و لم يبق سوى ترجمتها اللاتينية. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٩٩).