الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٦٩
تعالى علة الشرور، بل اللّه تعالى علة الخيرات و الفضائل و الجود و العقل. جعلها بين خلقه، فمن كسبها و تمسك بها نالها، لأنه لا يدرك الخيرات إلا بها.
و سأله الإسكندر يوما فقال: بأي شيء يكتسب الثواب؟ قال: بأفعال الخيرات. و إنك لتقدر أيها الملك أن تكتسب في يوم واحد ما لا تقدر الرعية أن تكسبه في دهرها.
و سأله عصبة من أهل الجهل: ما غذاؤك؟ قال: ما عفتم، يعني الحكمة.
قالوا: فما عفت؟ قال: ما استطبتم، يعني: الجهل. قالوا: كم عبدا لك؟
قال: أربابكم، يعني: الغضب، و الشهوة، و الأخلاق الرديئة الناشئة منهما.
و قالوا له يوما: ما أقبح صورتك! قال: لم أملك الخلقة الذميمة فألام عليها، و لا ملكتم الخلقة الحسنة فتحمدوا عليها. و أما ما صار في ملكي و أتى عليه تدبيري فقد استكملت تزيينه و تحسينه بغاية الطوق، و قاصية الجهد. و استكملتم شين ما في ملككم. قالوا: فما الذي في الملك من التزيين و التهجين؟ قال: أما التزيين فعمارة الذهن بالحكمة، و جلاء العقل بالأدب، و قمع الشهوة بالعفاف، و ردع الغضب بالحلم، و قطع الحرص بالقنوع و إماتة الحسد بالزهد، و تذليل المرح بالسكون، و رياضة النفس حتى تصير مطية قد ارتاضت فتصرفت حيث صرفها فارسها في طلب العليات، و هجر الدنيات. و من التهجين: تعطيل الذهن من الحكمة، و توسيخ العقل بضياع الأدب، و إثارة الشهوة باتباع الهوى، و إضرام الغضب بالانتقام، و إمداد الحرص بالطلب.
و قدم إليه رجل طعاما و قال له: استكثر منه، فقال: عليك بتقديم الأكل، و علينا باستعمال العدل.
و قال: زمام العافية بيد البلاء، و رأس السلامة تحت جناح العطب. و باب الأمن مستور بالخوف، فلا تكونن في حال من هذه الثلاث غير متوقع لضدها.