الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٦٢
منها في حدوث العالم، قال: الأشياء المحمولة أعني الصور المتضادة فليس يكون أحدهما من صاحبه. بل يجب أن يكون بعد صاحبه فيتعاقبان على المادة، فقد بان أن الصورة تدثر و تبطل. و إذا دثر معنى وجب أن يكون له بدء، لأن الدثور غاية. و هو أحد الجانبين يدل على أن جائيا جاء به فقد صح أن الكون حادث لا من شيء، و أن الحامل لها غير ممتنع الذات من قبولها و حمله إياها، و هي ذات بدء و غاية، يدل على أن حاملها ذو بدء و غاية، و أنه حادث لا من شيء. و يدل على محدث لا بدء له و لا غاية، لأن الدثور آخر، و الآخر ما كان له أول. فلو كانت الجواهر و الصور لم يزالا فغير جائز استحالتهما، لأن الاستحالة دثور الصورة التي بها كان الشيء.
و خروج الشيء من حد إلى حد، و من حال إلى حال يوجب دثور الكيفية و تردد المستحيل في الكون و الفساد يدل على دثوره، و حدوث أحواله يدل على ابتدائه، و ابتداء جزئه يدل على بدء كله. و واجب إن قبل بعض ما في العالم الكون و الفساد أن يكون كل العالم قابلا له، و كان له بدء يقبل الفساد، و آخر يستحيل إلى كون، فالبدء و الغاية يدلان على مبدع.
و قد سأل بعض الدهرية أرسطوطاليس و قال: إذا كان لم يزل و لا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال له: «لم» غير جائزة عليه، لأن «لم» تقتضي علة، و العلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه، و لا علة فوقه، و ليس بمركب فتحمل ذاته العلل. فلم عنه منتفية، فإنما فعل ما فعل، لأنه جواد. فقيل: فيجب أن يكون فاعلا لم يزل لأنه جواد لم يزل. قال: معنى «لم يزل» أن لا أول. و فعل يقتضي أولا. و اجتماع ما لا أول له، و ذو أول في القول و الذات محال متناقض. قيل له:
فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم. قيل: فإذا أبطله بطل الجود؟ قال: سيبطله ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد، لأن هذه الصيغة تحتمل الفساد، تم كلامه.
و يعزى هذا الفصل إلى سقراطيس، قاله لبقراطيس، و هو بكلام القدماء أشبه.