الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٦٠
متكثرة من جهة النسبة إلى العنصر و المادة المتكثرة بالأمكنة و الأزمنة، و هذا محال أيضا. فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة لها إلى مادة دون مادة، و هي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها، و أن الأشياء التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل و القوابل و المنفعلات عنها و إذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة و مكاثرة.
و لعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة، فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتا منفردة باختلاف موادّها التي كانت، و باختلاف أزمنة حدوثها، و باختلاف هيئات و ملكات حصلت عند الاتصال بالبدن، فهي حادثة مع حدوث البدن، تصيره نوعا كسائر الفصول الذاتية، و باقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له لم توجد تلك العوارض قبل اتصالها بالبدن، و بهذا الدليل فارق أستاذه، و فارق قدماءه.
وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل وجود الأبدان. فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض و الصور الموجودة بالقوة في واهب الصور؛ كما يقال إن النار موجودة في الحجر و الشجر، أو الإنسان موجود في النطفة، و النخلة موجودة في النواة، و الضياء موجود في الشمس. و منهم من أجراه على ظاهره و حكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها، و قال: اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها غيرها [١]. فليست متفقة بالنوع، أعني النوع الأخير، و منهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها، و كما أنها تتمايز بعد الاتصال بالبدن بأنها كانت متمايزة في المادة، كذلك تتمايز بأنها ستكون متمايزة بالأبدان و الصنائع و الأفعال، و استعداد كل نفس لصنعة خاصة، و علم خاص فتنهض هذه فصولا ذاتية، أو عوارض لازمة لوجودها.
المسألة السادسة عشرة:
في بقائها بعد البدن، و سعادتها في العالم العقلي.
[١] فالنفس النقية الطاهرة لم تتدنس و لم تتسخ بأوساخ البدن، فإنها إذا فارقت البدن رجعت إلى عالمها-