الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٥٥
ثم نقول: الحركات لا تخلو إما أن تكون لم تزل، أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن، و قد كان المحرك لها موجودا بالفعل قادرا، ليس يمانعه مانع من أن تكون عنه، و لا حدث حادث في حال ما أحدثها فرغبه و حمله على الفعل. إذن كان جميع ما يحدث إنما يحدث عنه، و ليس شيء غيره يعوقه أو يرغبه، و لا يمكن أن يقال: قد كان لا يقدر أن يكون عنه مقدور فقدر، أو لم يرد فأراد، أو لم يعلم فعلم.
فإن ذلك كله يوجب الاستحالة، و يوجب أن يكون شيء آخر غيره هو الذي أحاله.
و إن قلنا إنه منعه مانع يلزم أن يكون السبب المانع أقوى، و الاستحالة و التغير عن المانع حركة أخرى استدعت محركا، و بالجملة: كل سبب ينسب إليه الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله و بعده. فإن ذلك السبب جزئي خاص أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك، و إلا فالإرادة الكلية، و القدرة الشاملة، و العلم الواسع العام ليس يختص بزمان دون زمان، بل نسبته إلى الأزمان كلها نسبة واحدة، فلا بد لكل حادث من سبب حادث، و يتعالى عنه الواحد الحق الذي لا يجوز عليه التغيير و الاستحالة.
قال: و إذا كان لا بد من محرك للمحركات، و من حامل للحركات، تبين أن المحرك سرمدي، و الحركات سرمدية، فالمتحركات سرمدية. فإن قيل: إن حامل الحركة؛ و هو الجسم، لم يحدث، لكنه تحرك عن سكون، وجب أن يعثر على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة، فإن قلنا إن ذلك الجسم حدث، فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة، فقد بان أن الحركة، و المتحرك، و الزمان الذي هو عادّ للحركة: أزلية سرمدية.
و الحركات إما مستقيمة و إما مستديرة، و الاتصال لا يكون إلا للمستديرة، لأن المستقيم ينقطع، و الاتصال أمر ضروري للأشياء الأزلية. فإن الذي يسكن ليس بأزلي. و الزمان متصل، لأنه لا يمكن أن يكون قطعا مبتورة، فيجب من ذلك أن تكون الحركة متصلة. و إذا كانت المستديرة هي وحدها متصلة، فيجب أن تكون هي أزلية، فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضا أزليا، إذ لا يكون