الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٤٦
المركب على المركب سبقا بالذات، فلا يكون واجبا بذاته، و لأنه لو لم يكن هو بعينه واجب الوجود لذاته لا لشيء عنه، بل لأمر خارج عنه واجب بذاته لكان واجب الوجود بذلك الأمر الخارج، فلم يكن واجبا بذاته، هذا خلف.
المسألة الثالثة:
في أن واجب الوجود لذاته: عقل لذاته، و عاقل و معقول لذاته [١]، عقل من غيره، أو لم يعقل.
أما أنه عقل فلأنه مجرد عن المادة، منزه عن اللوازم المادية، فلا تحتجب ذاته عن ذاته.
و أما أنه عاقل لذاته، فلأنه مجرد لذاته.
و أما أنه معقول لذاته، فلأنه غير محجوب عن ذاته بذاته أو بغيره.
قال: الأول يعقل ذاته، ثم من ذاته يعقل كل شيء، فهو يعقل العالم العقلي دفعة واحدة من غير احتياج إلى انتقال و تردد من معقول إلى معقول، و أنه ليس يعقل الأشياء على أنها أمور خارجة عنه فيعقلها منها كحالنا عند المحسوسات، بل يعقلها من ذاته، و ليس كونه عاقلا و عقلا بسبب وجود الأشياء المعقولة حتى يكون وجودها قد جعله عقلا، بل الأمر بالعكس، أي عقله للأشياء جعلها موجودة، و ليس للأول شيء يكمله، فهو الكامل لذاته، المكمل لغيره، فلا يستفيد وجوده من وجود كمالا، و أيضا فإنه لو كان يعقل الأشياء من الأشياء، لكان وجودها متقدما على
[١] يقول: و إذ قد ثبت واجب الوجود، فنقول إنه بذاته عقل و عاقل و معقول، أما إنه معقول الماهية فلأنك تعرف أن طبيعة الوجود بما هي طبيعة أقسام الوجود بما هي كذلك، غير ممتنع عليها أن تعقل إنما يعرض لها أن لا تعقل إذا كانت في المادة، أو مكنوفة بعوارض المادة، فإنها من حيث هي كذلك محسوسة أو متخيلة، و الوجود إذا جرد عن هذا العائق، كان وجودا و ماهيته معقولة. و كل ما هو بذاته مجرد عن المادة و العوارض، فهو بذاته معقول. و الأول الواجب الوجود مجرد عن المادة و عوارض المادة، فهو بما هو هوية مجردة عقل و بما يعتبر له أن هوية المجردة لذاته فهو معقول لذاته. و بما يعتبر له أن ذاته لها هوية مجردة هو عاقل ذاته، و من فكر قليلا علم أن العاقل يقتضي شيئا معقولا، و هذا الاقتضاء لا يتضمن أن ذلك الشيء آخر، أو هو هو. (انظر النجاة ص ٣٩٨).