الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٢٩
المراتب و يستدل بشعره لما كان يجمع فيه من إتقان المعرفة، و متانة الحكمة، و جودة الرأي، و جزالة اللفظ. فمن ذلك قوله: لا خير في كثرة الرؤساء. و هذه كلمة وجيزة تحتها معان شريفة، لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال، و يستدل بها أيضا في التوحيد لما في كثرة الآلهة من المخالفات التي تعكر على حقيقة الإلهية بالإفساد. و في الحكمة: لو كان أهل بلد كلهم رؤساء لما كان رئيس البتة. و لو كان أهل بلد كلهم رعية لما كانت رعية البتة.
و من حكمه: قال: إني لأعجب من الناس! إذ كان يمكنهم الاقتداء باللّه تعالى فيدعون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم [١]! قال له تلميذه: لعل هذا إنما يكون لأنهم قد رأوا أنهم يموتون كما تموت البهائم. فقال له: بهذا السبب يكثر تعجبي منهم! من قبل أنهم يحسون بأنهم لابسون بدنا ميتا و لا يحسبون أن في ذلك البدن نفسا غير ميتة.
و قال: من يعلم أن الحياة لنا مستعبدة و الموت معتق مطلق؛ آثر الموت على الحياة.
و قال: العقل نحوان: طبيعي و تجريبي. و هما مثل الماء و الأرض. و كما أن النار تذيب كل صامت و تخلصه و تمكن من العمل فيه، كذلك العقل يذيب الأمور و يخلصها و يفصلها و يعدها للعمل. و من لم يكن لهذين النحوين فيه موضع فإن خير أموره له قصر العمر.
و قال: إن الإنسان الخير أفضل من جميع ما على الأرض. و الإنسان الشرير أخس و أوضع من جميع ما على الأرض.
- و «الأوذيسة» و «الأغاني الهوميرية» التي أثرت تأثيرا عميقا على مستقبل الشعر اليوناني. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢).
[١] و في «الكلم الروحانية» و قال: إني لأعجب من الناس أن مكنهم اللّه من الاقتداء بالملائكة فيدعون ذلك و يميلون للاقتداء بالبهائم.