الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٢٤
و ما كان منها جاسيا [١] غليظا لحق بعالمه أيضا، و كل جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتّحد به، فيكونان متحدين إلى الأبد، و إذا اتحدت الأواخر بالأوائل، و كان الأول هو أول مبدع ليس بينه و بين مبدعه جوهر آخر متوسط، فلا محالة أن ذلك المبدع الأول متعلق بنور مبدعه، فيبقى خالدا دهر الدهور. و هذا الفصل أيضا قد نقل عنهم و هو يتعلق بالمعاد لا بالمبدإ، و هؤلاء يسمون مشائي أقاديما. و أما المشاءون المطلق فهم أهل لوقيون، و كان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا تعظيما لها.
و تابعه على ذلك أرسطوطاليس، و يسمى هو و أصحابه المشائين. و أصحاب الرواق [٢] هم أهل المظال. و كان لأفلاطون تعليمان: تعليم كليس [٣]؛ و هو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر و لكن بالفكرة اللطيفة، و تعليم طاليس، و هو الهيولانيات.
٦- رأي هرقل الحكيم [٤]
كان يقول: إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا؛ لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق، و هو اسم اللّه حقا و هو اسم اللّه باليونانية حقا.
إنها تدل عليه، إنه مبدع للكل، و هذا الاسم عندهم شريف جدا.
و كان يقول: إن بدء الخلق، و أول شيء أبدع، و الذي هو أول لهذه العوالم، هو المحبة و المنازعة، و وافق في هذا الرأي أنباذقليس حيث قال: الأول الذي أبدع هو المحبة و الغلبة.
[١] الجاسي: اللطيف، و يد جاسية: يابسة العظام قليلة اللحم. (اللسان مادة جسا).
[٢] المشاءون و أصحاب الرواق. (انظر ص ٦٠ ج ٢ و ٣ من الكتاب).
[٣] لأفلاطون كتب كثيرة جعلها أقوالا يحكيها عن قوم، و يسمي كل كتاب منها باسم المصنف له، و يظهر أن كليس، محرفة عن تااجيس، و هو كتاب في الفلسفة. (الفهرست لابن النديم ص ٣٤٤).
[٤] هرقل، أو إيرقليس الهادي: من حكماء اليونان، و ممن عني في نفع الناس و اجتهد في ذلك. (عيون الأنباء ١: ١٨).