الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٩
علمه صورة إبداع كل جوهر، و صورة دثور كل جوهر. فإن علمه غير متناه، و الصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية، و كذلك صور الدثور غير متناهية، فالعوالم تتجدد في كل حين و في كل دهر، فما كان منها مشاكلا لنا أدركنا حدود وجوده و دثوره بالحواس و العقل، و ما كان غير مشاكل لنا لم ندركه. إلا أنه ذكر وجه التجدد فقال: إن الموجودات باقية داثرة. أما بقاؤها فبتجدد صورها، و أما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى، و ذكر أن الدثور قد يلزم الصورة و الهيولى معا.
و قال أيضا: إن الشمس و القمر و الكواكب تستمد القوة من جوهر السماء. فإذا تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا، ثم هذه الصور كلها بقاؤها، و دثورها في علم الباري تعالى، و العلم يقتضي بقاءها دائما و كذلك الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن بقاءها على هذه الحال أفضل، و الباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوما ما إن أراد، و هذا الرأي قد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون دون الإلهيين [١].
- الحجاج، فبرع كل البراعة في الدفاع عن مذهب أستاذه، حتى أنه لم يخالفه في شيء، و حتى في الجزء الخاص بالطبيعيات.
أراد زينون أن يدافع عن مذهب الوجود الواحد الثابت فلجأ إلى طريقة غير مباشرة، فبينما كان أستاذه يستخرج خصائص الوجود من ماهية الوجود نفسه استخلاصا استدلاليا، نرى زينون على العكس يحاول الدفاع عن مذهب برمنيدس مستعملا طريقة غير مباشرة، و ذلك بأن يقول إن المذاهب المضادة لمذهب الوجود عند برمنيدس تفضي قطعا إلى تناقض، و معنى إفضائها إلى تناقض أنها غير صحيحة، و ما دامت غير صحيحة فالمذاهب المضادة لها صحيحة. توفي زينون سنة ٤٣٠ ق. م. (انظر موسوعة الفلسفة ١: ٣٧١- ٣٧٣).
[١] ذهب مذهب أستاذه برمنيدس، في أنه لم يلتمس علة الكون في ماء و لا هواء مما يرى بالعين و يحس باليد، و لم يلتمسه في العدد الذي يتصل بالأشياء المحسوسة صلة وثيقة، بل أنكر الأشياء جميعا و اعتبرها في حكم العدم، و اغترف بحقيقة واحدة لم نصل إليها بطريق الحواس، بل بالعقل الحر الخالص، أعني بها الكينونة إلى الوجود، إذ أنه نظر إلى الأشياء فأدرك أنه إنما يحسّ منها صفاتها، و هذه الصفات متغيرة فانية إلا شيئا واحدا هو الوجود.
و مذهب برمنيدس في الوجود يقوم على أصلين رئيسيين هما الوحدة و الثبات، لذا كان على زينون أن يدافع عن هذا المذهب فيما يتصل بهذين الأصلين. و من أجل هذا تنقسم حججه إلى قسمين رئيسيين: قسم خاص بالتعدد و قسم خاص بالحركة. و في كل من هذين القسمين توجد حجج أربع تصل إلى غاية واحدة هي: وحدانية الوجود و عدم تعدده. (انظر موسوعة الفلسفة ١: ٢٧٢ و ٢٧٣).