الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٢
و بالثاني: وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة. و بالثالث:
وجود المبادي و البسائط التي لا تتغير. و من أسئلته: ما الشيء الكائن و لا وجود له؟
و ما الشيء الموجود و لا كون له؟.
و إنما يعني بالأول الحركة المكانية و الزمان، لأنه لم يؤهله لاسم الوجود.
و يعني بالثاني الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان و الحركة و الطبيعة و حق لها اسم الوجود، إذ لها السرمد و البقاء و الدهر.
و يحكى عنه أنه قال: إن الأسطقسات [١] لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ذات نظام، و أن الباري تعالى نظمها و رتبها فكان هذا العالم. و ربما عبر عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة، و قيل إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور و الأشكال بها فترتبت و انتظمت.
و رأيت في راموز [٢] له أنه قال: إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة بعالمها و ما فيه من الروح و البهجة و السرور، فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك الجزئيات و تستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية. فسقطت رياشها قبل الهبوط، فهبطت حتى يستوي ريشها و تطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم.
و حكى أرسطوطاليس عنه أنه أثبت المبادي خمسة أجناس: الجوهر، و الاتفاق، و الاختلاف، و الحركة، و السكون. ثم فسر كلامه فقال: أما الجوهر فنعني به الوجود. و أما الاتفاق فلأن الأشياء متفقة بأنها من اللّه تعالى. و أما الاختلاف فلأنها مختلفة في صورها. و أما الحركة فلأن لكل شيء من الأشياء فعلا خاصا.
[١] الأسطقسات، الواحد أسطقس: و هو الجسم الأول، الذي باجتماعه إلى أجسام أولى مخالفة له في النوع يقال له أسطقس لها، فلذلك قيل إنه آخر ما ينتهي إليه تحليل الأجسام فلا توجد فيه قسمة إلا إلى أجزاء متناهية.
و في التعريفات للجرجاني: هو لفظ يوناني بمعنى الأصل، و تسمى العناصر الأربعة (الماء و الأرض و الهواء و النار) أسطقسات.
[٢] الراموز: البحر العظيم لتموجه، و قد استعمله المولدون في الأصل و النموذج.