الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١١
و تلك المثل هي مبادي الموجودات الحسية، منها بدأت، و إليها تعود.
و يتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير و تصرف، كانت موجودة قبل وجود الأبدان. و كان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي، و تمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض، و خالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس و من بعده من الحكماء، و قالوا: إن النفوس حدثت مع حدوث الأبدان.
و قد رأيت في كلام أرسطوطاليس كما سيأتي في حكايته أنه ربما يميل إلى مذهب أفلاطون في كون النفس موجودة قبل وجود الأبدان [١]، إلا أن نقل المتأخرين ما قدمنا ذكره.
و خالفه أيضا في حدوث العالم: إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها، لأنك إذا قلت حادث فقد أثبتّ سبق الأزلية لكل واحد، و ما ثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل. قال: و إن صورها لا بد و أن تكون حادثة، لكن الكلام في هيولاها و عنصرها. فأثبت عنصرا قبل وجودها. فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية و القدم. و هو إذ أثبت واجب الوجود لذاته، و أطلق لفظ الإبداع على العنصر، فقد أخرجه عن الأزلية بذاته، بل يكون وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادي التي ليست زمانية و لا وجودها و لا حدوثها حدوث زماني. فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني. و المركبات حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني.
و قال: إن العالم لا يفسد فسادا كليا. و يحكى عنه في سؤاله عن طيماوس:
ما الشيء الذي لا حدوث له؟ و ما الشيء الحادث و ليس بباق؟ و ما الشيء الموجود بالفعل و هو أبدا بحال واحدة؟ و إنما يعني بالأول: وجود الباري تعالى.
[١] و قد أخذ أفلاطون عن فيثاغورس فكرة وجود النفس قبل الجسد، و لا نستطيع التأكيد هل آمن بهذه الحقيقة أم لا. أما ما لا يقبل الشك فهو اعتقاده بخلود هذه النفس، و له على هذا الخلود براهين متعددة نجد أهمها في حوار «فيدون» الذي وصف فيه سقراط قبيل تجرعه السم القاتل.