الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٠
قال: و إذا اتفقت العقلاء على أن هناك حسا و محسوسا، و عقلا و معقولا، و شاهدنا بالحس جميع المحسوسات، و هي محدودة و محصورة بالزمان و المكان، فيجب أن نشاهد بالعقل جميع المعقولات، و هي غير محدودة و محصورة بالزمان و المكان، فتكون مثلا عقلية.
و مما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم! قال: إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط و المركبات، و من المركبات أنواعها و أشخاصها، و من البسائط ما هي هيولانية، و هي التي تعرى عن الموضوع، و هي رسوم الجزئيات، مثل:
النقطة، و الخط، و السطح، و الجسم التعليمي.
قال: و هذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها، و كذلك توابع الجسم مفردة مثل:
الحركة، و الزمان، و المكان، و الأشكال؛ فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة، و مركبة مرة أخرى، و لها حقائق في ذواتها من غير حوامل و لا موضوعات. و من البسائط ما ليست هي هيولانية مثل: الوجود، و الوحدة، و الجوهر. و العقل يدرك القسمين جميعا متطابقين عالمين متقابلين: عالم العقل و فيه المثل العقلية التي تطابقها الأشخاص الحسية. و عالم الحس و فيه المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل العقلية: فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم، و أعيان هذا العالم آثار في ذلك العالم، و عليه وضع الفطرة و التقدير، و لهذا الفصل شرح و تقرير.
و جماعة المشائين و أرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي، إلا أنهم يقولون: هو معنى في العقل موجود في الذهن و الكلي من حيث هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن، إذا لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق على زيد و على عمرو، و هو في نفسه واحد.
و أفلاطون يقول ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء يطابقه في الخارج فينطبق عليه. و ذلك هو المثال الذي في العقل، و هو جوهر لا عرض، إذ تصور وجوده لا في موضوع، و هو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل على الحس، و هو تقدم ذاتي و شرفي معا.