الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠٩
كان لما يدركه العقل مطابقا مقابلا من خارج. فما يكون مدركا لشيء يوافق إدراكه حقيقة المدرك.
قال: و العالم عالمان: عالم العقل و فيه المثل العقلية و الصور الروحانية و عالم الحس و فيه الأشخاص الحسية و الصور الجسمانية، كالمرآة المجلوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات، فإن الصور فيها مثل الأشخاص، و كذلك العنصر في ذلك العالم مرآة لجميع صور هذا العالم يتمثل فيه جميع الصور كلها، غير أن الفرق المنطبع في المرآة الحسية صور خيالية يرى أنها موجودة تتحرك بحركة الشخص و ليس في الحقيقة كذلك، و أن المتمثل في المرآة العقلية صور حقيقية روحانية هي موجودة بالفعل تحرك الأشخاص و لا تتحرك، فنسبة الأشخاص إليها كنسبة الصور في المرآة إلى الأشخاص، فلها الوجود الدائم، و لها الثبات القائم، و هي تتمايز في حقائقها تمايز الأشخاص في ذواتها. قال: و إنما كانت هذه الصور موجودة كلية دائمة باقية، لأن كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علم الأول الحق، و الصور عنده بلا نهاية، و لو لم تكن الصور معه في أزليته، في علمه لم تكن لتبقى، و لو لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى، و لو كانت تدثر مع دثور الهيولى لما كانت على رجاء و لا خوف، و لكن لما صارت الصور الحسية على رجاء و خوف استدل به على بقائها، و إنما تبقى إذا كانت لها صور عقلية في ذلك العالم [١] ترجو اللحوق بها، و تخاف التخلف عنها.
[١] ذلك أن أفلاطون في كثير من أقاويله يومئ إلى أن للموجودات صورا مجردة في عالم الإله، و ربما يسميها المثل الإلهية.
و يوضح أفلاطون ذلك بقوله: إننا حيث نجد عددا من الأفراد يشتركون في الاسم، فإن لهم مثالا مشتركا أيضا. فإننا ندرك عددا كبيرا من الأسرّة، و ليس لها كلها إلا مثال واحد. و كما أن انعكاس السرير في المرآة هو مظهر فقط، و ليس «بالحقيقي» فكذلك الأسرة الكثيرة الجزئية ليست بالحقيقة، و ما هي سوى نسخ عن «المثال» الذي هو السرير الحقيقي الوحيد.
و تصوّر هذا المثال هو «المعرفة» و أما الإدراك الحسي للأسرة فهو مجرد «الرأي».