الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠٨
بجميع معلوماته على نعت الأسباب الكلية. كان في الأزل و لم يكن في الوجود رسم و لا طلل إلا مثالا عند الباري تعالى، ربما يعبر عنه بالهيولى، و ربما يعبر عنه بالعنصر. و لعله يشير إلى صور المعلومات في علمه تعالى، قال: فأبدع العقل الأول، و بتوسطه النفس الكلية، و قد انبعث عن العقل انبعاث الصورة في المرآة، و بتوسطهما العنصر.
و يحكى عنه: أن الهيولى التي هي موضوع الصور الحسية غير ذلك العنصر.
و يحكى عنه: أنه أدرج الزمان في المبادي، و هو الدهر، و أثبت لكل موجود مشخص في العالم الحسي مثالا غير مشخص في العالم العقلي، و يسمي ذلك:
المثل الأفلاطونية [١]. فالمبادئ الأول بسائط. و المثل مبسوطات. و الأشخاص مركبات. فالإنسان المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول، و كذلك كل نوع من الحيوان و النبات و المعادن.
قال: و الموجودات في هذا العالم آثار الموجودات في ذلك العالم، و لا بدّ لكل أثر من مؤثر يشابهه نوعا من المشابهة. قال: و لما كان العقل الإنساني من ذلك العالم أدرك من المحسوس مثالا منتزعا من المادة معقولا، يطابق المثال الذي في عالم العقل بكليته، و يطابق الموجود الذي في عالم الحس بجزئيته، و لو لا ذلك لما
[١] إن نظرية المثل الأفلاطونية تكون نقطة الانطلاق و حجر الزاوية لفلسفة أفلاطون بجملتها. و هي ناتجة عن استخدام الاستقراء السقراطي و الجدل الأفلاطوني.
تحل هذه النظرية في الجمهورية المكان الأول إلى جنب الآراء السياسية بل تعدّ أشهر أجزاء الجمهورية و أبعدها أثرا.
و المثل عنده هي الحقائق الخالدة، و الصور المجردة في عالم الإله، و هي لا تدثر و لا تفسد و لكنها أزلية أبدية، و الذي يفسد و يدثر إنما هو هذا الكائن المحسوس.
و المثال هو الموضوع الحقيقي للمعرفة، فمعرفة الفرس مثلا لا تقوم على معرفة ما يختص به أفراد جنسه من سن و حجم و لون، إذ أن هذه صفات تختلف باختلاف الأفراد، بل على المفهوم المشترك بين جميع أفراد الجنس، و الذي لا يولد مع ولادة الفرد و لا يفنى بفنائه، بل هو شيء أبدي، تشاركه جميع الأفراد في طبيعته.