الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠٤
نحو من أنحاء الوجود، إما متصلة بكلها. و إما متمايزة بذواتها و خواصها. فاتصلت بالأبدان استكمالا و استدامة، و الأبدان قوالبها و آلاتها. فتبطل الأبدان، و ترجع النفوس إلى كليتها. و عن هذا و كان يخوف بالملك الذي حبسه أنه يريد قتله، قال:
إن سقراط في حب [١]، و الملك لا يقدر إلا على كسر الحب. فالحب يكسر و يرجع الماء إلى البحر.
و لسقراط أقاويل في مسائل الحكمة العلمية و العملية.
و مما اختلف فيه فيثاغورس و سقراط: أن الحكمة قبل الحق، أم الحق قبل الحكمة؟ و أوضح القول فيه بأن الحق أعم من الحكمة، إلا أنه قد يكون جليا، و قد يكون خفيا. و أما الحكمة فهي أخص من الحق؟ إلا أنها لا تكون إلا جلية.
فإذن: الحق مبسوط في العالم، مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم و الحكمة موضحة للحق المبسوط في العالم، و الحق ما به الشيء، و الحكمة ما لأجله الشيء.
و لسقراط أيضا ألغاز و رموز ألقاها إلى تلميذه أرسجانس. و جلها في كتاب «فاذن» و نحن نوردها مرسلة معقودة:
منها قوله: عند ما فتشت عن علة الحياة ألفيت الموت، و عند ما وجدت الموت ألفيت الحياة الدائمة.
و منها: اسكت عن الضوضاء التي في الهواء، و تكلم بالليالي حيث لا تكون أعشاش الخفافيش. و اسدد الخمس الكوى ليضيء مسكن العلة. و املأ الوعاء طيبا، و افرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة، و احبس على باب الكلام، و امسك مع الحضرة اللجام الرخو لئلا تغضب، فترى نظام الكواكب. و لا تؤكل
[١] الحب: الجرة الضخمة و الخابية و الدن.