الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠١
العقل، و لم يكن فوق العقل فاتح إلا الهداية الإلهية، فبالحري أن يكون المستعين بصريح العقل في كافة المصارف مشهودا له بفطنة الاكتفاء بمولاه،؛ و أن يكون التابع لشهوة البدن، المنقاد لدواعي الطبيعة، المواتي لهوى النفس بعيدا من مولاه، ناقصا في رتبته.
٦- رأي سقراط [١]
سقراط بن سفرنيسقوس الحكيم الفاضل الزاهد من أهل أثينية، و كان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس [٢] و أرسالاوس، و اقتصر من أصنافها على الإلهيات و الأخلاقيات، و اشتغل بالزهد و رياضة النفس، و تهذيب الأخلاق، و أعرض عن ملذات الدنيا، و اعتزل إلى الجبل و أقام في غاربه.
و نهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك و عبادة الأوثان، فثوروا عليه الغاغة [٣]، و ألجئوا ملكهم إلى قتله. فحبسه الملك ثم سقاه السم؛ و قضيته معروفة.
[١] ولد سقراط في أثينا نحو سنة ٤٦٩ ق. م. و توفي نحو ٣٩٩ ق. م. و نحن نكاد لا نعرف عن حياته شيئا لو لا بعض ما رواه خصومه و المعجبون به. و قد اشتهر بنزاهته و رسوخ عقيدته. كما اشتهر بتجرعه السمّ في سبيل تلك العقيدة. و هو يعد من المثل الإنسانية العليا، و من النفوس السامية التي قلما يجود التاريخ بمثلها.
ليس لدينا من آثاره شيء لأنه لم ينصرف إلى التدوين بل قضى حياته ناثر أفكار، و باذر آراء، و مبشرا استحق اللقب الشهير «أبو الفلسفة».
[٢] ما ذهب إليه الشهرستاني، من أن سقراط اقتبس الحكمة من فيثاغورس، و ما ذهب إليه القفطي من أنه كان من تلاميذ فيثاغورس، يظهر منه أنه عاصر فيثاغورس، و أخذ منه، و لكن الواقع أن فيثاغورس توفي نحو ٤٩٧ ق. م. و سقراط ولد نحو ٤٦٩ ق. م.
و الظاهر أنه لما كان لسقراط وصايا شريفة و آداب فاضلة، و حكم مشهورة و مذاهب في الصفات قريبة من مذاهب فيثاغورس، فقد ذهب الشهرستاني إلى أن حكمته مقتبسة منه، كما ذهب القفطي أنه من تلاميذه.
[٣] الغاغة: الغوغاء. و أصل الغوغاء الجراد حين يخف للطيران ثم استعير للسفلة من الناس و المتسرعين إلى الشر.
الملل و النحل ج٢ ٤٠٢ ٦ - رأي سقراط ..... ص : ٤٠١