الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٩
الموجودات [١] أجسام تدرك عقلا، و هي كانت تتحرك من الخلاء في الخلاء. و زعم أن الخلاء لا نهاية له، و كذلك الأجسام لا نهاية لها، إلا أن لها ثلاثة أشياء:
الشكل، و العظم، و الثقل.
و ديمقريطيس [٢] كان يرى أن لها شيئين: الشكل و العظم فقط. و ذكر أن تلك الأجسام لا تتجزأ، أي لا تنفعل و لا تتكثر، و هي معقولة أو متوهمة غير محسوسة، فاصطكت تلك الأجزاء في حركاتها اضطرارا و اتفاقا، فحصل من اصطكاكها صور هذا العالم و أشكالها، و تحركت على أنحاء من جهات التحرك، و ذلك هو الذي يحكى عنهم أنهم قالوا بالاتفاق، فلم يثبتوا لها صانعا أوجب الاصطكاك، و أوجد هذه الصور و هؤلاء قد أثبتوا الصانع، و أثبتوا سبب حركات تلك الجواهر، و أما اصطكاكها فقد قالوا فيها بالاتفاق، فلزمهم حصول العالم بالاتفاق و الخبط [٣].
[١] اتفق الفلاسفة على أنه لا يصدر موجود عن معدوم و لا يؤول موجود إلى العدم لما قد صحّ بالتجربة أن الأجسام يتكون بعضها من آثار بعض، فينتج من هذا أن لها سببا، و هذا السبب هو الذي يسمونه مادة أولية، و اختلفوا في بيان هذه المادة الأولية فزعم أبيقورس أنها الذرات، و زعم أن سائر الأجسام تتركب منها، و ذهب أيضا إلى أصل ثان، و هو الفراغ، و لكن لم يجعله أصلا لتركيب الأجسام، و إنما كان يقول إنه أصل لحركاتها.
[٢] ولد يمقريطس في أبديرا نحو ٤٦٠ ق. م. و يقال إنه عاش قرنا كاملا و إنه كان تلميذا للوكيبوس المالطي. و قد جمعت مؤلفات المفكرين، بعد وفاة ديمقريطس، في مجموعة تعد موسوعة للمعارف الإنسانية في ذلك العصر، و تدل على عمق في التفكير و سعة في المعارف قلّ نظيرهما.
و يعد لوكيبوس و ديمقريطس واضعي أسس المذهب الذري، و خلاصة آرائهما أن الكائن مركب من عدد لا نهاية له من العناصر البسيطة الثابتة الصلبة، و أن تلك العناصر و الذرات ذات صفات أساسية ثلاث هي: الشكل و التركيب و الوضع. و الذرات الأزلية منتشرة في الفراغ اللامتناهي انتشارا يتعادل و ذلك الفراغ. و التركيبات التي تحصل عن اتحاد الذرات عارضة، و العوالم غير المتناهية تنشأ و تزول إلى ما لا نهاية له.
[٣] كان أبيقورس يزعم أن هلاك الدنيا و زوالها يحصل بسبب من أسباب عديدة، إما بواسطة نار كما إذا دنت الشمس جدا من الأرض فأحرقتها، و إما بهزة مهولة تقلب جميع الأشياء ... و لكن من آثار هلاكها تتركب دنيا أخرى، و الدنيا التي نحن بها الآن هي اجتماع آثار ما بقي من حوادث مهولة وقعت في سالف الأزمان و يشهد لذلك ما يشاهد في البحار من المهاوي التي لا قاع لها و سلاسل الجبال الشامخة، و الأنهر التي تحت الأرض و البحيرات الكامنة فيها، و المغارات و الكهوف ... الخ. (ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة ص ١٧٢).