الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٧
على هيئة أجمل و أكمل من الأول، فإن التأليفات الأولى قد كانت ناقصة من وجه حيث كانت بالقوة، و بالرياضة و المجاهدة في هذا العالم بلغت إلى حد الكمال خارجة من حد القوة إلى حد الفعل، قال: و الشرائع التي وردت بمقادير الصلوات و الزكوات و سائر العبادات، هي لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية، و ربما يبالغ في تقرير التأليف حتى يكاد يقول: ليس في العالم سوى التأليف، و الأجسام و الأعراض تأليفات، و النفوس و العقول تأليفات.
و يعسر كل العسر تقرير ذلك! نعم! تقدير التأليف على المؤلف، و التقدير على المقدر أمر يهتدى إليه، و يعول عليه.
و كان خرينوس و زينون [١] الشاعر متابعين لفيثاغورس على رأيه في المبدع و المبدع إلا أنهما قالا: الباري تعالى أبدع النفس و العقل دفعة واحدة، ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما، و في بدء ما أبدعهما أبدعهما لا يموتان، و لا يجوز عليهما الدثور و الفناء، و ذكرا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية من كل دنس صارت في العالم الأعلى إلى مسكنها الذي يشاكلها و يجانسها، و كان الجسم الذي هو من النار و الهواء جسمها في ذلك العالم مهذبا من كل ثقل و كدر.
فأما الجرم الذي من الماء و الأرض فإن ذلك يدثر و يفنى، لأنه غير مشاكل للجسم السماوي، لأن الجسم السماوي لطيف لا وزن له و لا يلمس، فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم لأنه أشد روحانية. و هذا العالم لا يشاكل الجسم بل الجرم يشاكله.
فكل ما هو مركب و الأجزاء النارية و الهوائية عليه أغلب، كانت الجسمية أغلب. و كل ما هو مركب و الأجزاء المائية و الأرضية عليه أغلب كانت الجرمية
[١] زينون: فيلسوف يوناني: ولد في قبرص، و هو مؤسس المذهب الرواقي، و على الرغم من المؤلفات التي كتبها، لم يبق لنا من آثاره شيء، اللهم إلا شذرات ضئيلة، و كذلك الحال بالنسبة إلى بقية الرواقيين اليونانيين و إلى زينون ينسبون القول المأثور: إنما العيش هو العيش مع الطبيعة متوفى حوالي ٢٦٤ ق. م.