الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٣
التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها و عقولها المفارقة كالجوهر و تسعة أعراض.
و بالجملة إنما يتعرف حال الموجودات من العدد و المقادير الأول و يقول: الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي الأعداد و المقادير، و هي لا تختلف، فعلمه لا يختلف.
و ربما يقول: المقابل للواحد هو العنصر الأول كما قال أنكسيمانس، و يسميه الهيولى [١] الأولى، و ذلك هو الواحد المستفاد، لا الواحد الذي هو كالآحاد، و هو واحد، كل تصدر عنه كل كثرة، و تستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات و لا تفارقها البتة كما قررنا. و ذكر أن العنصر انفرد بوحدته ثم أفاضها على الموجودات، فلا يوجد موجود إلا و فيه من وحدته حظ على قدر استعداده. ثم من هداية العقل حظ على قدر قبوله. ثم من قوة النفس حظ على قدر تهيئه، و على ذلك آثار المبادي في المركبات، فإن كل مركب لا يخلو عن مزاج ما. و كل مزاج لا يعرى عن اعتدال ما، و كل اعتدال عن كمال أو قوة كمال: إما طبيعي آلي و هو مبدأ الحركة. و إما عن كمال نفساني هو مبدأ الحس، فإذا بلغ المزاج الإنساني إلى حد قبول هذا الكمال أفاض عليه العنصر وحدته، و العقل هدايته، و النفس نطقه و حكمته.
قال: و لما كانت التأليفات الهندسية مرتبة على المعادلات العددية عددناها أيضا من المبادي. فصارت طائفة من الفيثاغوريين إلى أن المبادي هي التأليفات الهندسية على مناسبات عددية، و لهذا صارت المتحركات السماوية ذات حركات
[١] الهيولى في عرف الحكماء هي الجوهر القابل للاتصال و الانفصال، و هي محل للصورتين أي الجسمية و النوعية و هي الهيولى الأولى و أما الهيولى الثانية فهي جسم تركب منه جسم آخر. و الهيولى لفظ يوناني معناه الأصل و المادة. و في المقابسات، ما الهيولى؟ و الجواب: هي قوة موضوعة تجعل الصور منفعلة.
و قال ابن سينا في الرسالة الرابعة: «أما الهيولى المطلقة فهي جوهر و وجوده بالفعل إنما يحصل بقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، و ليس له في ذاته صورة تخصه، إلا معنى القوة ...».