الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٩
المتين، و العقل الرصين، يدّعي أنه شاهد العوالم العلوية بحسه و حدسه، و بلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك، و وصل إلى مقام الملك و قال: ما سمعت شيئا قط ألذ من حركاتها، و لا رأيت أبهى من صورها و هيئاتها.
قوله في الإلهيات:
قال: إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد [١]، و لا يدخل في العدد، و لا يدرك من جهة العقل و لا من جهة النفس، فلا الفكر العقلي يدركه، و لا المنطق النفسي يصفه، فهو فوق الصفات الروحانية، غير مدرك من نحو ذاته، و إنما يدرك بآثاره و صنائعه و أفعاله و كل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر فيه صنعته، فينعته و يصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته، فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعته من حيث تلك الآثار، و الموجودات في العالم الجسماني قد خصّت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث تلك الآثار، و لا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها و هداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها. فكل يصفه من نحو ذاته، و يقدسه عن خصائص صفاته.
ثم قال: الوحدة تنقسم إلى وحدة غير مستفادة من الغير، و هي وحدة الباري تعالى وحدة الإحاطة بكل شيء وحدة الحكم على كل شيء، وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات و الكثرة فيها، و إلى وحدة مستفادة من الغير، و ذلك وحدة المخلوقات.
[١] و قد جاء في تاريخ الفلسفة اليونانية: «لم تصل إلينا نصوص صريحة عن عقيدة الفيثاغوريين، في الألوهية، أما ما يذكر من أنهم كانوا يضعون الواحد فوق الأعداد و الموجودات و يجعلونه مصدرها جميعا فتأويل أفلاطوني. و كل ما يمكن أن يقال أنهم طهروا الشرك من أدرانه. و نزهوا الآلهة عما ألحقت بهم المخيلة العامة من نقائص، و ذلك بتأويل الأساطير تأويلا مجازيا، و في ترجمة مشاهير الفلاسفة، أن فيثاغورس كان يحث تلامذته على التمسك بطاعة الإله و عبادته كما ينبغي». (انظر تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٤).