الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٣
الأشياء المبسوطة من ذلك المبدع البسيط الواحد الأول، ثم كون المركبات من المبسوطات.
و هو مبدع الشيء و اللاشيء: العقلي، و الفكري، و الوهمي، أي مبدع المتضادات و المتقابلات: المعقولة و الخيالية و الحسية. و قال: إن الباري تعالى أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة، بل بنوع أنه علة فقط، و هو العلم و الإرادة. فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علة لها. فالعلة و لا معلول. و إلا فالمعلول مع العلة معية بالذات. فإن جاز أن يقال إن معلولا مع العلة؛ فالمعلول حينئذ ليس هو غير العلة، و أن يكون المعلول ليس أولى بكونه معلولا من العلة، و لا العلة بكونها علة أولى من المعلول. ه فالمعلول إذن تحت العلة و بعدها. و العلة علة العلل كلها، أي علة كل معلول تحتها، فلا محالة أن المعلول لم يكن مع العلة بجهة من الجهات البتة، و إلا فقد بطل اسم العلة و المعلول. فالمعلول الأول هو العنصر، و المعلول الثاني هو بتوسطه العقل. و الثالث بتوسطهما النفس، و هذه بسائط و متوسطات، و ما بعدها مركبات.
و ذكر أن المنطق لا يعبر عما عند العقل، لأن العقل أكبر من المنطق من أجل أنه بسيط، و المنطق مركب. و المنطق يتجزأ و العقل يتحد و يحد فيجمع المتجزئات. فليس للمنطق إذن أن يصف الباري تعالى إلا صفة واحدة، و ذلك أنه هو و لا شيء من هذه العوالم بسيط و لا مركب، فإذا كان هو و لا شيء، فقد كان الشيء و اللاشيء مبدعين.
ثم قال أنباذقليس: العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه.
و ليس هو بسيطا مطلقا، أي واحدا بحتا من نحو ذات العلة، فلا معلول إلا و هو مركب تركيبا عقليا أو حسيا. فالعنصر في ذاته مركب من المحبة و الغلبة [١]
[١] قرئ على أبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني من كلام انبادقليس: إذا استولت المحبة على الأجسام التي منها تركيب العالم كان منها العالم الكري، و إذا استولت الغلبة كان منها الاستقصات و العالم الكائن الفاسد، فقال مفسرا إنه أراد باستيلاء المحبة على العالم استيلاء القوة العقلية فإنها هي التي تحيط بجميع الموجودات إحاطة كلية و تؤلف بينها تأليفا نظاميا موفقا بين جميع أجزائها، و هذا الفعل منها شبيه بتأليف الأكر بعضها مع بعض و إحاطة بعضها ببعض حتى لا يتخللها شيء آخر. قال-