الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٠
و الظهور، و في بيانه سبب الترتيب و تعيينه المرتب. و إنما عقب مذهبه برأي تاليس، لأنهما من أهل ملطية، و متقاربان في إثبات العنصر الأول، و الصور فيه متمثلة، و الجسم الأول و الموجودات فيه كامنة.
و حكى أرسطوطاليس عنه: أن الجسم الذي تكون منه الأشياء غير قابل للكثرة. قال: و أومأ إلى أن الكثرة جاءت من قبل الباري تعالى و تقدس.
٣- رأي أنكسيمانس [١]
و هو من الملطيين المعروف بالحكمة، المذكور بالخير عندهم. قال: إن الباري تعالى أزلي لا أول له و لا آخر.
هو مبدأ الأشياء و لا بدء له. هو المدرك من خلقه أنه هو فقط، و أنه لا هوية تشبهه، و كل هوية فمبدعة منه، هو الواحد ليس كواحد الأعداد، لأن واحد الأعداد يتكثر و هو لا يتكثر، و كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علمه الأول، و الصور عنده بلا نهاية.
قال: و لا يجوز في الباري تعالى إلا أحد قولين: إما أن نقول إنه أبدع ما في علمه، و إما أن نقول إنما أبدع أشياء لا يعلمها، و هذا من القول المستشنع. و إن قلنا أبدع ما في علمه فالصورة أزلية بأزليته، و ليس تتكثر ذاته بتكثر المعلومات، و لا تتغير بتغيرها. قال: أبدع بوحدانيته صورة العنصر، ثم صورة العقل انبعث عنها ببدعة الباري تعالى. فرتب العنصر في العقل ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار و أصناف الآثار، و صارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة، كما تحدث الصور في المرآة الصقيلة بلا زمان، و لا ترتيب بعض على بعض. غير أن
[١] أنكسيمانس: و قد ظهر قبل العالم ٤٩٤ ق. م. و رأى أن الهواء هو العنصر الأساسي لأنه أكثر قابلية من الماء للتغير و اتخاذ الأشكال المختلفة بل و يتغلغل في الأشياء و الأحياء مهما دقت. أ ليست الحياة في صميمها أنفاسا من الهواء تتردد في الصدر شهيقا و زفيرا، إذن فهو الجوهر الأول الذي صدرت عنه جميع الكائنات. توفي سنة ٥٢٤ ق. م. (قصة الفلسفة اليونانية ص ٢٦).