الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٩
الكل، لا نهاية له. و لم نبين ما ذلك الجسم، أ هو من العناصر؟ أم خارج عن ذلك؟
قال: و منه تخرج جميع الأجسام و القوة الجسمانية و الأنواع و الأصناف.
و هو أول من قال بالكمون و الظهور، حيث قدر الأشياء كلها كامنة في الجسم الأول و إنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم نوعا و صنفا و مقدارا و شكلا و تكاثفا و تخلخلا، كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة، و النخلة الباسقة من النواة الصغيرة، و الإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة، و الطير من البيض، فكل ذلك ظهور عن كمون، و فعل عن قوة، و صورة عن استعداد مادة، و إنما الإبداع واحد، و لم يكن بشيء آخر سوى ذلك الجسم الأول.
و حكي عنه أنه قال: كانت الأشياء ساكنة، ثم إن العقل رتبها ترتيبا على أحسن نظام، فوضعها مواضعها من عال، و من سافل، و من متوسط. ثم من متحرك، و من ساكن، و من مستقيم في الحركة، و من دائر. و من أفلاك متحركة على الدوران، و من عناصر متحركة على الاستقامة، و هذه كلها بهذا الترتيب مظهرات لما في الجسم الأول من الموجودات.
و يحكى عنه أن المرتّب هو الطبيعة، و ربما يقول: المرتّب هو الباري تعالى، و إذا كان المبدأ الأول عنده ذلك الجسم، فمقتضى مذهبه أن يكون المعاد إلى ذلك الجسم. و إذا كانت النشأة الأولى هي الظهور، فيقتضي أن تكون النشأة الثانية هي الكمون، و ذلك قريب من مذهب من يقول بالهيولى الأولى التي حدثت فيها الصور، إلا أنه أثبت جسما غير متناه بالفعل هو متشابه الأجزاء، و أصحاب الهيولى لا يثبتون جسما بالفعل و قد رد عليه الحكماء المتأخرون في إثباته جسما مطلقا لم يعين له صورة سماوية أو عنصرية، و في نفيه النهاية عنه، و في قوله بالكمون
- على ستة أقسام في كل قسم تسع رسائل فسميت ب «التاسوعات» و كتب أيضا ضد النصرانية و دافع عن السحر و العرافة و التنجيم، و كانت الكنيسة تحاربها. متوفى نحو ٣٠٥ ق. م. (الفهرست لابن النديم ص ٣٥٤).