الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٦
و يتعالى الأول الحق بوحدانيته و هويته عن أن يوصف بما يوصف به مبدعه، و من العجب أنه نقل عنه أن المبدع الأول هو الماء [١]. قال: الماء قابل لكل صوره، و منه أبدع الجواهر كلها من السماء و الأرض، و ما بينهما، و هو علة كل مبدع، و علة كل مركب من العنصر الجسماني. فذكر أن من جمود الماء تكونت الأرض، و من انحلاله تكون الهواء، و من صفوة الهواء تكونت النار، و من الدخان و الأبخرة تكونت السماء، و من الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب، فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل إليه، قال: و الماء ذكر، و الأرض أنثى، و هما يكونان سفلا، و النار ذكر، و الهواء أنثى و هما يكونان علوا.
و كان يقول: إن هذا العنصر الذي هو أول و هو آخر- أي هو المبدأ و هو الكمال هو عنصر الجسمانيات و الجرميات، لا أنه عنصر الروحانيات البسيطة، ثم إن هذا العنصر له صفو و كدر، فما كان من صفوه فإنه يكون جسما، و ما كان من كدره فإنه يكون جرما فالجرم يدثر، و الجسم لا يدثر، و الجرم كثيف ظاهر، و الجسم لطيف باطن، و في النشأة الثانية يظهر الجسم و يدثر الجرم، و يكون الجسم اللطيف ظاهرا و الجرم الكثيف داثرا.
و كان يقول: إن فوق السماء عوالم مبدعة لا يقدر المنطق أن يصف تلك الأنوار، و لا يقدر العقل أن يقف على إدراك ذلك الحس و البهاء، و هي مبدعة من عنصر لا يدرك غوره، و لا يبصر نوره، و المنطق و النفس و الطبيعة تحته و دونه،
[١] الماء عند طاليس هو المادة الأولى و الجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء، و عنه صدرت الكائنات و إليه تعود، و قد ملأ عليه الماء شعاب فكره حتى خيل إليه أن الأرض قرص متجمد يسبح فوق لجج مائية، ليس لأبعادها نهاية. و قد دعم رأيه بالدليل فقال: إن النبات و الحيوان يغتذي بالرطوبة، و مبدأ الرطوبة الماء، فما منه يغتذي الشيء فهو يتكون منه بالضرورة، ثم إن النبات و الحيوان يولد من الرطوبة، فإن الجراثيم الحية رطبة، و ما منه يولد الشيء فهو مكون منه. (قصة الفلسفة اليونانية ص ٢١ و انظر الرازي ٦: ١١٥).