الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٠
و أما الحكمة الفعلية فكل ما يفعله الحكيم لغاية كمالية.
فالأول الأزلي لما كان هو الغاية و الكمال، فلا يفعل فعلا لغاية دون ذاته، و إلا فيكون الغاية و الكمال هو الحامل، و الأول محمول، و ذلك محال.
فالحكمة في فعله وقعت تبعا لكمال ذاته، و ذلك هو الكمال المطلق في الحكمة، و في فعل غيره من المتوسطات وقعت مقصودا للكمال المطلوب، و كذلك في أفعالنا.
ثم إن الفلاسفة اختلفوا في الحكمة القولية العقلية اختلافا لا يحصى كثرة.
و المتأخرون منهم خالفوا الأوائل في أكثر المسائل [١]، و كانت مسائل الأولين محصورة في الطبيعيات، و الإلهيات. و ذلك هو الكلام في الباري تعالى و العالم. ثم زادوا فيها الرياضيات.
و قالوا: العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: علم ما، و علم كيف، و علم كم.
فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو العلم الإلهي. و العلم الذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو العلم الطبيعي. و العلم الذي يطلب فيه كميات الأشياء هو العلم الرياضي، سواء كانت الكميات مجردة عن المادة، أو كانت مخالطة بعد؛ فأحدث بعدهم أرسطوطاليس [٢] الحكيم علم المنطق و سماه تعليمات، و إنما هو جرده من
[١] مرت الفلسفة اليونانية بأربع مراحل:
- المرحلة الأولى: من طاليس إلى سقراط و هي مرحلة العمل الكوسمولوجي الذي اهتم فيه الحكماء لنشأة العالم و تكوينه و عناصره.
- المرحلة الثانية: سقراط أفلاطون، أرسطو و هي مرحلة العمل الطبيعي السيكولوجي الذي لا يخلو من نظرات ماورائية.
- المرحلة الثالثة: من وفاة أرسطو إلى نشأة الأفلاطونية الحديثة و هي مرحلة العمل الخلقي الأدبي.
- المرحلة الرابعة: الأفلاطونية الحديثة، و هي مرحلة العمل الديني الصوفي.
[٢] أرسطوطاليس: هو أعظم فيلسوف جامع لكل فروع المعرفة الإنسانية في تاريخ البشرية كلها. يمتاز على أستاذه أفلاطون بدقة المنهج و استقامة البراهين و الاستناد إلى التجربة الواقعية. و هو واضع علم المنطق كله تقريبا. من هنا لقب ب «المعلم الأول» و «صاحب المنطق».