الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٧
التي سلفت منا في الأدوار الماضية. و الغم و الحزن، و الضنك [١] و الكلفة التي نجدها هي مرتبة على أعمال الفجور التي سبقت منا.
و كذا كان في الأول، و كذا يكون في الآخر. و الانصرام من كل وجه غير متصور من الحكيم.
و أما الحلول فهو التشخص الذي ذكرناه، و ربما يكون ذلك بحلول ذاته، و ربما يكون بحلول جزء من ذاته؛ على قدر استعداد مزاج الشخص.
و ربما قالوا إنما تشخص بالهياكل السماوية كلها، و هو واحد، و إنما يظهر فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه، و تشخصه به.
فكأن الهياكل السبعة أعضاؤها السبعة. و كأن أعضاءنا السبعة هياكله السبعة فيها يظهر فينطق بلساننا، و يبصر بأعيننا، و يسمع بآذاننا، و يقبض و يبسط بأيدينا، و يجيء و يذهب بأرجلنا، و يفعل بجوارحنا.
٢- مزاعم الحرنانية
و زعموا أن اللّه تعالى أجلّ من أن يخلق الشرور و القبائح و الأقذار و الخنافس و الحيات و العقارب. بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب سعادة و نحوسة، و اجتماعات العناصر صفوة و كدورة. فما كان من سعد و خير و صفو، فهو المقصود من الفطرة، فينسب إلى الباري تعالى. و ما كان من نحوسة، و شر، و كدر، فهو الواقع ضرورة فلا ينسب إليه، بل هي إما اتفاقيات و ضروريات. و إما مستندة إلى أصل الشرور و الاتصال المذموم.
و الحرنانية ينسبون مقالتهم إلى عاذيمون، و هرمس، و أعيانا، و أواذي [٢]، أربعة أنبياء.
[١] الضنك: الضيق من كل شيء. و في التنزيل العزيز: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أي غير حلال، قال أبو إسحاق: الضنك أصله في اللغة الضيق و الشدة، و معناه أن هذه المعيشة الضنك في نار جهنم قال: و أكثر ما جاء في التفسير أنه عذاب القبر. (لسان العرب مادة ضنك).
[٢] أواذي: و في نسخة «أواري»، و في القفطي «أورين»، و في الفهرست «أراني».