الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٥
قرر مذهب الحنفاء، و أبطل مذاهب الصابئة، و بيّن أن الفطرة هي الحنيفية، و أن الطهارة فيها، و أن الشهادة بالتوحيد مقصورة عليها، و أن النجاة و الخلاص متعلقة بها، و أن الشرائع و الأحكام مشارع و مناهج إليها. و أن الأنبياء و الرسل مبعوثون لتقريرها و تقديرها، و أن الفاتحة و الخاتمة، و المبدأ و الكمال منوطة بتحصيلها و تحريرها ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [١] و الصراط المستقيم، و المنهج الواضح، و المسلك اللائح. قال اللّه تعالى لنبيه المصطفى صلى اللّه عليه و سلم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها* لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ* ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [٢].
الفصل الرابع الحرنانيّة [٣] و مقالاتهم
و هم جماعة من الصابئة، قالوا: إن الصانع المعبود واحد و كثير. أما واحد ففي الذات، و الأول، و الأصل، و الأزل. و أما كثير فلأنه يتكسر بالأشخاص في رأي العين، و هي المدبرات السبعة و الأشخاص الأرضية الخيرة، العالمة، الفاضلة. فإنه يظهر بها، و يتشخص بأشخاصها. و لا تبطل وحدته في ذاته.
و قالوا: هو أبدع الفلك و جميع ما فيه من الأجرام و الكواكب، و جعلها
[١] سورة الروم: الآية ٣٠.
[٢] سورة الروم: الآيات ٣٠ و ٣١ و ٣٢.
[٣] و هم جماعة من صابئة الكلدانيين أجمعوا على أن للعالم علة لم يزل واحدا لا يتكثر، لا يلحقه صفة شيء من المعلومات، كلف أهل التمييز من خلقه الإقرار بربوبيته و أوضح لهم السبيل و بعث رسلا للدلالة و تثبيتا للحجة أمرهم أن يدعوا إلى رضوانه و يحذروا من غضبه، و وعدوا من أطاع نعيما لا يزول، و أوعدوا من عصى عذابا و اقتصاصا بقدر استحقاقه. و من مشهوريهم عاذيمون و هرمس، و ذكر بعضهم سولون. و افترضوا من الصلاة ثلاثا كل يوم، و لا صلاة إلا على طهور، و صيامهم ثلاثون يوما، و لهم قربان يتقربون به.