الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦١
فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل و راعوا في ذلك جوهر الهيكل، أعني الجوهر الخاص به من الحديد و غيره.
و صوّروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه، و راعوا في ذلك الزمان و الوقت و الساعة و الدرجة و الدقيقة، و جميع الإضافات النجومية من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب التي تستدعى منه فتقربوا إليه في يومه و ساعته، و تبخروا بالبخور الخاص به، و تختموا بخاتمه. و لبسوا لباسه، و تضرعوا بدعائه، و عزموا بعزائمه، و سألوا حاجتهم منه. فيقولون: إنه كان يقضي حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات كلها. و ذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب و الأوثان.
فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب [١]، إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا.
و أصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان [٢]، إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، و قالوا هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [٣].
[١] و هؤلاء اشتغلوا بعبادة الكواكب و تعظيمها، ثم أنهم لما رأوا هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه فاتخذوا صنم الشمس من الذهب و زينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس، و هي الياقوت و الألماس، و اتخذوا صنم القمر من الفضة، و على هذا القياس سائر الكواكب، ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام و غرضهم من عبادتها هو عبادة تلك الكواكب.
[٢] و الذين اتخذوا الأوثان آلهة، كان مبدأ أمرهم متى مات منهم رجل كبير يعتقد أنه مجاب الدعوة مقبول الشفاعة عند اللّه تعالى اتخذوا صنما على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند اللّه تعالى.
و يحكى أن إسماعيل بن إبراهيم لما سكن مكة و ولد له بها أولاد كثير حتى ملئوا مكة و نفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة و وقعت بينهم الحروب و العداوات و أخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا في البلاد و التماس المعاش.
و كان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان و الحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم و صبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه و طافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها و صبابة بالحرم و حبا له. و هم بعد يعظمون الكعبة و مكة، و يحجون و يعتمرون على إرث إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام. ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا و نسوا ما كانوا عليه، و استبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل غيره. فعبدوا الأوثان، و صاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم. (كتاب الأصنام ص ٦).
[٣] سورة يونس: الآية ١٨.