الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٥٢
أجابت الحنفاء:
بأن الكلام في المراتب صعب، و من لم يصل إلى رتبة من المراتب كيف يمكنه أن يستوفي بيانها؟.
لكنا نعرف أن رتبته بالنسبة إلينا: رتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في الجنس من الحيوان. فكما أنا نعرف أننا في الموجودات و لا يعرفها الحيوان، كذلك هم يعرفون خواص الأشياء و حقائقها، و منافعها و مضارها، و وجوه المصالح في الحركات، و حدودها و أقسامها و نحن لا نعرفها.
و كما أن نوع الإنسان ملك الحيوان بالتسخير، فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام ملوك الناس بالتدبير، و كما أن حركات الناس معجزات الحيوان، كذلك حركات الأنبياء معجزات الناس، لأن الحيوانات لا يمكنها أن تبلغ إلى الحركات الفكرية حتى تميز الحق من الباطل و لا أن تبلغ إلى الحركات القولية حتى تميز الصدق من الكذب.
و لا أن تبلغ إلى الحركات الفعلية حتى تميز الخير من الشر. فلا التمييز العقلي لها بالوجود، و لا مثل هذه الحركات لها بالفعل. و كذلك حركات الأنبياء، لأن منتهى فكرهم لا غاية له، و حركات أفكارهم في مجال القدس مما تعجز عنها قوة البشر حتى يسلم لهم: «لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب، و لا نبي مرسل»، و كذلك حركاتهم القولية و الفعلية لا تبلغ إلى غاية انتظامها و جريانها على سنن الفطرة حركة كل البشر، و هم في الرتبة العليا، و الدرجة الأولى من درجات الموجودات كلها. فقد أحاطوا علما بما أطلعهم الرب تعالى على ذلك دون غيرهم من الملائكة و الروحانيين.
ففي الأول تكون حاله حال التعلم عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [١] و في الأخير حاله حال
- بكثير من دقائق العلم و لا يستحق شيئا من الثواب فضلا عن أن يكون ثوابه أكثر و فضله أكبر، فإن كثرة الثواب و عظيم الفضل إنما تحصل بحسب الإخلاص في الأفعال، و لم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر. (الرازي ١: ٣٠٧- ٣١٠).
[١] سورة النجم: الآية ٥.