الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤٧
و منهاجه، و يضيء على البرية مدى الدهر سراجه. و العلم بالتوارث، و ليست النبوة بالتوارث، و الشريعة تركة الأنبياء، و العلماء ورثة الأنبياء [١].
قالت الصابئة:
الناس متماثلة في حقيقة الإنسانية و البشرية، و يشملهم حد واحد، و هو الحيوان الناطق المائت. و النفوس و العقول متساوية في الجوهرية؛ فحد النفس بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان و الحيوان و النبات أنه كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة.
و بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان و الملك أنه جوهر غير جسم، هو كمال الجسم، محرك له بالاختيار عن مبدأ نطقي، أي عقلي، بالفعل أو بالقوة. فالذي بالفعل هو خاصة النفس الملكية. و الذي بالقوة هو فضل النفس الإنسانية.
و أما العقل [٢] فقوة أو هيئة لهذه النفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد و الناس في ذلك على استواء من القدم. و إنما الاختلاف يرجع إلى أحد أمرين.
[١] و هذا من حديث مطول، عن أبي الدرداء أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل اللّه له طريقا إلى الجنة، و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا بطالب العلم، و إن العالم ليستغفر من في السموات و من في الأرض. و فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، و إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، و إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. و شاهد وراثة العلماء في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة فاطر: الآية ٣٢: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا.
[٢] و العقل الذي يذكره أرسطو في كتاب البرهان فإنه إنما يعني به قوة النفس التي بها يحصل للإنسان اليقين، لا عن قياس و لا عن فكر، بل بالفطرة و الطبع.
و أما العقل الذي يذكره في المقالة السادسة من كتاب الأخلاق، فإنه يريد به جزء النفس.
و أما العقل الذي يذكره في كتاب «النفس» فإنه جعله على أربعة أنحاء: عقل بالقوة، و عقل بالفعل، و عقل مستفاد، و عقل فعال.
و أما العقل الفعال الذي ذكره في «المقالة الثالثة» من «كتاب النفس» هو صورة مفارقة لم تكن في مادة و لا تكون أصلا و هو بنوع ما عقل بالفعل قريب الشبه من العقل المستفاد، بل هو نوع من العقل المستفاد و صور الموجودات هي فيه لم تزل و لا تزال، إلا أن وجودها فيه على غير الترتيب الذي هي موجودة عليه في العقل الذي هو بالفعل. (من مقالة للفارابي في العقل).