الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤٣
حيث أغرق فرعون فأدخل النار مكافأة على دعوى الإلهية لنفسه، و أحرق العجل، ثم نسف في اليم مكافأة على إثبات الإلهية له، و ما كان للنار و الماء على الحنفاء يد الاستيلاء قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [١]. فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ [٢].
هذه مراتب الشرك في الفعل و الخلق.
و يشبه أن يكون دعوى اللعينين: نمرود، و فرعون أنهما إلهان أرضيان كالآلهة السماوية الروحانية. دعوى الإلهية من حيث الأمر، لا من حيث الفعل و الخلق، و إلا ففي زمان كل واحد منهما من هو أكبر منه سنا، و أقدم في الوجود عليه، فلما ظهر من دعواهما أن الأمر كله لهما، فقد ادعيا الإلهية لنفسهما.
و هذا هو الشرك الذي ألزمه المتكلم على الصابئ. فإنه لما ادعى أنه أثبت في الأشخاص ما يقضي به حاجة الخلق، فقد عاد بالتقدير إلى صنعته، و وقف بالتدبير إلى معاملته، فكان الأمر بأن هذا الفعل واجب الإقدام عليه، و هذا واجب الإحجام عنه، أمرا في مقابلة أمر الباري تعالى. و المتوسط فيه متوسط الأمر، و كان شركا إذ لم ينزل اللّه به سلطانا، و لا أقام عليه حجة و برهانا.
كيف و ما يتمسك به من الأحكام مرتبة على هيئات فلكية لم تبلغ قوة البشر قط إلى مراعاتها؟ و لا يشك أن الفلك كله يتغير لحظة فلحظة بتغير جزء من أجزائه تغير الوضع و الهيئة، بحيث لم يكن على تلك الهيئة فيما سبق، و لا يرجع إلى تلك الحالة فيما يستقبل، و متى يقف الحاكم على تغيرات الأوضاع حتى تكون صنعته في الأشخاص و الأصنام مستقيمة، و إذا لم تستقم الصنعة فكيف تكون الحاجة مقضية، و من رفع الحاجة إلى من لا ترفع الحوائج [٣] إليه فقد أشرك كل الشرك.
[١] سورة الأنبياء: الآية ٦٩.
[٢] سورة القصص: الآية ٧.
[٣] و في درّة الغواص، و يقولون في جمع حاجة حوائج فيوهمون فيه كما و هم بعض المحدثين في قوله:
فسيان بيت العنكبوت و جوسق
رفيع إذا لم تقض فيه الحوائج
و الصواب أن يجمع على حاجات في أقل العدد، و في أكثره على حاج مثل هام و واحدته هامة.