الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤٠
مبدأه من عاذيمون و هرمس العظيمين، فعكفنا على ذلك دائمين.
و أنتم معاشر الحنفاء تعصبتم للرجال، و قلتم بأن الوحي و الرسالة ينزل عليهم من عند اللّه تعالى بواسطة، أو بغير واسطة. فما الوحي [١] أولا؟ و هل يجوز أن يكلم اللّه بشرا؟ و هل يكون كلامه من جنس كلامنا؟ و كيف ينزل ملك من السماء و هو ليس بجسماني؟ أ بصورته؟ أو بصورة البشر؟ و ما معنى تصوره بصورة الغير؟ أ فيخلع صورته و يلبس لباسا آخر؟ أم يتبدل وضعه و حقيقته؟ ثم ما البرهان أولا على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر؟ و ما دليل كل مدع منهم؟ أ فنأخذ بمجرد دعواه؟ أم لا بد من دليل خارق للعادة؟ و إن أظهر ذلك. أ فهو من خواص النفوس؟ أم من خواص الأجسام؟ أم من فعل الباري تعالى؟ ثم ما الكتاب الذي جاء به؟ أ فهو كلام الباري تعالى؟ و كيف يتصور في حقه كلام؟ أم هو كلام الروحاني؟ ثم هذه الحدود و الأحكام أكثرها غير معقولة، فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول أمر لا يعقله؟ و كيف تطاوعه نفسه بتقليد شخص هو مثله؟ أ بأن يريد أن يتفضل عليه؟ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [٢].
أجابت الحنفاء:
بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقين: أحدهما: الإلزام، تعرضا لإبطال مذهبكم. و الثاني: الحجة، تعرضا لإثبات مذهبنا.
أما الإلزام فقالوا: إنكم ناقضتم مذهبكم حيث قلتم بتوسط عاذيمون و هرمس، و أخذتم طريقتكم منهما. و من أثبت المتوسط في إنكار المتوسط فقد ناقض كلامه، و تخلف مرامه.
[١] الوحي: الإشارة و الكتابة و الرّسالة و الإلهام و الكلام الخفي. و الوحي: المكتوب و الكتاب أيضا. و في حديث الحرث الأعور: قال علقمة قرأت القرآن في سنتين، فقال الحرث: القرآن هيّن، و الوحي أشدّ منه، أراد بالقرآن القراءة و بالوحي الكتابة و الخط. (اللسان مادة وحي).
[٢] سورة المؤمنون: الآية ٢٤.