الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٧
فالأنبياء عليهم السلام متوسطون في تقرير سنّة الأمر. و الملائكة متوسطون في تقرير سنّة الخلق و الأمر أشرف من الخلق. فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق، فالأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة.
و هذا عجب حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، و صارت الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر، ليعلم أن الشرف و الكمال في التركيب لا في البساطة، و اليد للجسماني لا للروحاني، و التوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء، و السجود لآدم عليه السلام أفضل من التسبيح و التهليل و التقديس.
و ليعلم أن الكمال في إثبات الرجال، لا في تعيين الهياكل و الظلال، و أنهم هم الآخرون وجودا، السابقون فضلا، و أن آخر العمل أول الفكرة، و أن الفطرة لمن له الحجة، و أن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه، قال عز و جل: (فو عزّتي و جلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان) [١].
قالت الصابئة:
الروحانيات مبادي الموجودات [٢]، و عالمها معاد الأرواح، و المبادي أشرف ذاتا و أسبق وجودا، و أعلى رتبة و درجة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها. و كذلك عالمها عالم المعاد و المعاد كمال، فعالمها عالم الكمال.
فالمبدأ منها، و المعاد إليها، و المصدر عنها، و المرجع إليها بخلاف الجسمانيات، و أيضا فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان، فتوسخت بأوضار الأجسام، ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية، و الأعمال المرضية،
[١] من الأحاديث القدسية.
[٢] قالوا: الروحانيات الفلكية مبادي لروحانيات هذا العالم، و المبدأ أشرف من ذي المبدأ لأن كل كمال يحصل لذي المبدأ فهو مستفاد من المبدأ و المستفيد أقل حالا من الواهب، و أيضا فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوشحت بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية و الأعمال المرضية حتى انفصلت عنها فصعدت إلى عالمها الأول فالنزول هو النشأة الأولى و الصعود هو النشأة الأخرى، فعرف أن الروحانيات أشرف من الأشخاص البشرية.