الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٤
له على ما يريد. و خالق العلل و المعلولات لا يكون محمولا على شيء، فاختياره لا يكون معللا بشيء، و اختيار الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره. كما أن أمره ينوب عن أمره، فيسلك سبل ربه ذللا، ثم يخرج من قضية اختياره نظام حال و قوام أمر مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. فمن أين للروحانيات هذه المنزلة؟ و كيف يصلون إلى هذه الدرجة؟.
كيف! و كل ما يذكرونه فموهوم، و كل ما يذكره النبي فمحقق مشاهدة و عيانا، بل و كل ما يحكى عن الروحانيات من كمال علمهم و قدرتهم، و نفوذ اختيارهم و استطاعتهم، فإنما أخبرنا بذلك الأنبياء و المرسلون عليهم السلام، و إلا فأي دليل أرشدنا إلى ذلك و نحن لم نشاهدهم، و لم نستدل بفعل من أفعالهم على صفاتهم و أحوالهم؟.
قالت الصابئة:
الروحانيون متخصصون بالهياكل العلوية [١] مثل زحل، و المشتري، و المريخ، و الشمس، و الزهرة، و عطارد، و القمر [٢]، ................ .............
[١] فالروحانيات مختصة بالهياكل و هي السيارات السبع، و سائر الثوابت و الأفلاك كالأبدان، و الكواكب كالقلوب، و الملائكة كالأرواح، فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان. ثم إنا نعلم أن اختلافات أحوال الأفلاك مبادي لحصول الاختلافات في أحوال هذا العالم، فإنه يحصل من حركات الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس و التثليث .. و كذا مناطق الأفلاك تارة تصير منطبقة بعضها على البعض. و ذاك هو الرتق، فحينئذ يبطل عمارة العالم و أخرى ينفصل بعضها عن البعض، فتنقل العمارة من جانب من هذا العالم إلى جانب آخر. فإذا رأينا أن هياكل العالم العلوي مستولية على هياكل العالم السفلي، فكذا أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، لا سيما و قد دلت المباحث الحكمية و العلوم الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات لأرواح العالم العلوي و كمالات هذه الأرواح معلولات لكمالات تلك الأرواح ... الخ. (انظر الرازي ١: ٣٠٩).
[٢] زحل: كوكب يرى كغيره من الكواكب نقطة لامعة، و يمتاز عن سائر نجوم السماء بحلقة عريضة رقيقة ملتفة حوله، و المعروف حتى الآن أن له عشرة أقمار، فهو أكثر السيارات أقمارا، و تظهر الشمس منه صغيرة جدا، و يصل إليه من نورها و حرارتها ما يماثل جزءا من تسعين مما يصل إلى الأرض، و هو أبعد الكواكب التي عرفها الأقدمون. (بسائط علم الفلك ص ٦٢).-