الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٣
أجابت الحنفاء بجوابين:
أحدهما: نيابة عن جنس البشر. و الثاني: نيابة عن الأنبياء عليهم السلام.
أما الأول فنقول: اختيار الروحانيات إذا كان مقصورا على أحد الطرفين محصورا: كان في وضعه مجبورا، و لا شرف في الجبر. و اختيار البشر تردد بين طرفي الخير و الشر. فمن جانب يرى آيات الرحمن، و من طرف يسمع وساوس الشيطان، فتميل به تارة دعوة الحق إلى امتثال الأمر، و تميل به طورا داعية الشهوة إلى اتباع الهوى. فإذا أقر طوعا و طبعا بوحدانية اللّه تعالى، و اختار من غير جبر و إكراه طاعته، و صير اختياره المتردد بين الطرفين مجبورا تحت أمره تعالى باختيار من جهته من غير إجبار: صار هذا الاختيار أفضل و أشرف من الاختيار المجبور فطرة، كالمكره فعله:
كسبا، الممنوع عما لا يجب جبرا. و من لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى، كيف يمدح عليه؟ و إنما المدح كل المدح لمن زين له المشتهى فنهى النفس عن الهوى [١]، فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات.
و أما الثاني: فنقول: إن اختيار الأنبياء عليهم السلام مع ما أنه ليس من جنس اختيار البشر من وجه، فهو متوجه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالم و قوام الكل، صادر عن الأمر، صائر إلى الأمر، لا يتطرق إلى اختيارهم ميل إلى الفساد، بل و درجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام، فإن العالي لا يريد أمرا لأجل السافل، من حيث هو سافل، بل إنما يختار ما يختار لنظام كلي، و أمر أعلى من الجزئي، ثم يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا لا مقصودا، و هذا الاختيار و الإرادة على جهة سنّة اللّه تعالى في اختياره و مشيئته للكائنات، لأن مشيئته تعالى كلية متعلقة بنظام الكل، غير معللة بعلة، حتى لا يقال إنما اختار هذا لكذا، و إنما فعل هذا لكذا. فلكل شيء علة، و لا علة لصنعه تعالى، بل لا يريد إلا كما علم، و ذلك أيضا ليس بتعليل، لكنه بيان أن إرادته أعلى من أن تتعلق بشيء لعلة دونها، و إلا لكان ذلك الشيء حاملا
[١] نهى النفس عن الهوى: زجرها و كفّها عن الميل و الشهوات، و ضبطها بالصبر على إيثار الخيرات، و لم يعتد بمتاع الدنيا، و لم يغتر بزخارفها و زينتها.