الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٢
ما رشح له. بل و مجموع جسده و نفسه: مجمع آثار العالمين من الروحانيات و الجسمانيات. و زيادة أمرين، أحدهما: ما حصل له من فائدة التركيب و الترتيب، كما بينا من مثال السكر و الخل. و الثاني: ما أشرق عليه من الأنوار القدسية: وحيا و إلهاما، و مناجاة، و إكراما.
فأين للروحاني هذه الدرجة الرفيعة، و المقام المحمود، و الكمال الموجود؟
بل و من أين للروحانيات كلها هذا التركيب الذي خص نوع الإنسان به؟.
و ما تعلقوا به من القوة البالغة على تحريك الأجسام، و تصريف الأجرام، فليس يقتضي شرفا. فإن ما يثبت لشيء و يثبت لضده مثله لم يتضمن شرفا. و من المعلوم أن الجن و الشياطين قد ثبت لهم من القوة البالغة و القدرة الشاملة ما يعجز كثير من الموجودات عن ذلك. و ليس ذلك مما يوجب شرفا و كمالا، و إنما الشرف في استعمال كل قوة فيما خلقت له، و أمرت به، و قدرت عليه.
قالت الصابئة:
الروحانيات لها اختيارات صادرة من الأمر، متوجهة إلى الخير، مقصورة على نظام العالم، و قوام الكل. لا يشوبها البتة شائبة الشر، و شائبة الفساد، بخلاف اختيار البشر فإنه متردد بين طرفي الخير و الشر [١] لو لا رحمة اللّه في حق البعض، و إلا فوضع اختيارهم كان ينزع إلى جانب الشر و الفساد، إذ كانت الشهوة و الغضب المركوزتان فيهم يجرانهم إلى جانبهما، و أما الروحانيات فلا ينازع اختيارهم إلا التوجه إلى وجه اللّه تعالى، و طلب رضاه، و امتثال أمره، فلا جرم كل اختيار هذا حاله لا يتعذر عليه ما يختاره. فكما أراد و اختار، وجد المراد و حصل المختار، و كل اختيار ذلك حاله تعذر عليه ما يختاره، فلا يوجد المراد، و لا يحصل المختار.
[١] هذا الأمر يدل على أن الملائكة كالمجبورين على طاعتهم و الأنبياء مترددة بين الطرفين، و المختار أفضل من المجبور، و هذا ضعيف، لأن التردد ما دام يبقى استحال صدور الفعل و إذا حصل الترجيح التحق بالموجب، فكان للأنبياء خيرات بالقوة و بواسطة الملائكة تصير خيرات بالفعل، أما الملائكة فهم خيرات بالفعل، فأين هذا من ذاك. (الرازي ١: ٣٠٩).