الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣١
ثم للنفس الإنسانية قوى عقلية لا جسمانية [١]، و كمالات نفسانية روحانية لا جسدانية. فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، و هي القوة التي تختص باسم العقل العملي، و ذلك أن تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل و لا يفعل. و من قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل، و إنما يخرج من القوة إلى الفعل بمخرج غير ذاتها لا محالة، فيجب أن يكون لها قوة استعدادية تسمى عقلا هيولانيا، حتى يقبل من غيرها ما به يخرجها من الاستعداد إلى الكمال. فأول خروج لها إلى الفعل حصول قوة أخرى من واهب الصور يحصل لها عند استحضارها المعقولات الأول، فيتهيأ بها لاكتساب الثواني: إما بالفكر، و إما بالحدس، فيتدرج قليلا قليلا إلى أن يحصل لها ما قدر لها من المعقولات، و لكل نفس استعداد إلى حد ما لا يتعداه، و لكل عقل حدّ ما لا يتخطاه، فيبلغ إلى كماله المقدر له، و يقتصر على قوته المركوزة فيه، و لا يتبين هاهنا وجود التضادّ بين النفوس و العقول، و وجوب الترتب فيها.
و إنما يعرف مقادير العقول و مراتب النفوس: الأنبياء و المرسلون الذين اطلعوا على الموجودات كلها: روحانياتها و جسمانياتها، معقولاتها و محسوساتها، كلياتها و جزئياتها، علوياتها و سفلياتها، فعرفوا مقاديرها، و عينوا موازينها و معاييرها.
و كل ما ذكرناه من القوى الإنسانية فهي حاصلة لهم، مركبة فيهم، منصرفة كلها عن جانب الغرور إلى جانب القدس، مستديمة الشروق بنور الحق فيها، حتى كأن كل قوة من القوى الجسدانية و النفسانية ملك روحاني موكل بحفظ ما وجه إليه، و استتمام
[١] و القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية حتى يكون فعلها الخاص إنما يتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية لكان يجب أن لا تعقل ذاتها و أن لا تعقل الآلة و لا أن تعقل أنها عقلت، فإنه ليس بينها و بين ذاتها آلة، و ليس بينها و بين آلتها و لا بينها و بين أنها عقلت آلة لكنها تعقل ذاتها و آلتها التي تدعى آلتها و أنها عقلت فإذا إنما تعقل بذاتها لا بالآلة ... الخ.
ثم أنه أخذ بعد هذا في إيراد براهين على أن تعقل القوة العقلية ليس بالآلة الجسدية. (النجاة ص ٢٩٢).