الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٤
البشر الجسمانيات بالنسبة إلينا شهادة، و بالنسبة إليهم غيب. و اللّه تعالى هو الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى [١].
قالت الحنفاء: من علم أنه لا يعلم فقد أحاط بكل العلم، و من اعترف بالعجز عن أداء الشكر فقد أدى كل الشكر.
قالت الصابئة:
الروحانيات لهم قوة تصريف الأجسام، و تقليب الأجرام [٢]. و القوة التي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال و لغوب [٣] فتنحسر، و لكن القوى الروحانية بالخواص الجسمانية أشبه. و إنك لترى الخامة اللطيفة [٤] من النبات في بدء نموها تفتق الحجر، و تشق الصخر. و ما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من القوى السماوية. و لو كانت هي قوى مزاجية لما بلغت إلى هذا المنتهى. فالروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام تقليبا و تصريفا. لا يثقلهم حمل الثقيل، و لا يستخفهم تحريك الخفيف، فالرياح تهب بتحريكها، و السحاب يعرض و يزول بتصريفها، و كذلك الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها، و كل هذه و إن استندت إلى أسباب جزئية فإنها تستند في الآخرة إلى أسباب من جهتها.
و مثل هذه القوة عديم الوجود في الجسمانيات.
أجابت الحنفاء:
و قالوا: منا يقتبس تفصيل القوى، و تجنيسها.
[١] سورة طه: الآية ٧.
[٢] و هذه القوة ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال و لغوب، ألا ترى أن الخامة اللطيفة من الزرع في بدء نموها تفتق الحجر و تشق الصخر، و ما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من جواهر القوى السماوية، فما ظنك بتلك القوى السماوية و الروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام السفلية تقليبا و تصريفا.
[٣] اللغوب: التعب و الإعياء.
[٤] الخامة اللطيفة: الغضة الرطبة من النبات، و في الحديث: «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة هكذا و مرة هكذا».