الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٢
أما العلم فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا، و اطلاعهم على مستقبل الأحوال الجارية علينا، و لأن علومهم كلية، و علوم الجسمانيات جزئية، و علومهم فعلية، و علوم الجسمانيات انفعالية. و علومهم فطرية، و علوم الجسمانيات كسبية. فمن هذه الوجوه تحقق لها الشرف على الجسمانيات.
و أما العمل فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة، و دوامهم على الطاعة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [١] لا يلحقهم كلال و لا سآمة، و لا يرهقهم ملال و لا ندامة.
فتحقق لها الشرف أيضا بهذا الطرف. و كان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك.
أجابت الحنفاء عن هذا بجوابين:
أحدهما: التسوية بين الطرفين، و إثبات زيادة في جانب الأنبياء عليهم السلام.
و الثاني: بيان ثبوت الشرف في غير العلم و العمل.
أما الأول: فإنهم قالوا: علوم الأنبياء عليهم السلام كلية و جزئية، و فعلية و انفعالية، و فطرية و كسبية. فمن حيث تلاحظ عقولهم عالم الغيب منصرفة عن عالم الشهادة تحصل لهم العلوم الكلية فطرة و دفعة واحدة. ثم إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية اكتسابا بالحواس على ترتيب و تدريج. فكما أن للإنسان علوما نظرية هي المعقولات، و علوما حاصلة بالحواس عن المحسوسات؛ فعالم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس. فنظرياتنا فطرية لهم، و نظرياتهم لا نصل إليها قط. بل و محسوساتنا مكتسبة لهم، و لنا بكواسب
- و لا سهو العقول، و لا غفلة الأبدان، طعامهم التسبيح و شرابهم التقديس و التمجيد، فهم متجردون من العلائق البدنية، غير محجوبين بشيء من القوى الشهوانية و الغضبية فأين أحد القسمين من الآخر.
و الاعتراض هو أن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلي بالجوع أياما.
و الملائكة بسبب مواظبتهم على تلك الدرجات العالية لا يجدون من اللذة مثل ما يجد البشر، الذين يكونون محجوبين بالعلائق الجسمانية و الحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص بها البشر، و لعل هذا هو المراد من قوله تعالى في سورة الأحزاب: الآية ٧٢: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ. (الرازي ١: ٣٠٨).
[١] سورة الأنبياء: الآية ٢٠.