الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢١
هذه قاعدتنا في الروحانيات. فلا روحاني أبلغ في الروحانية من ذوات الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام.
و أما قولكم: إن الشرف للعلو، إن عنيتم به علو الجهة فلا شرف فيه. فكم من عال جهة: سافل رتبة، و علما، و ذاتا، و طبيعة. و كم من سافل جهة: عال على الأشياء كلها رتبة، و فضيلة، و ذاتا، و طبيعة.
و أما قولكم: إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء و صفاتها و محالها و مراكزها، فليس بحق، و هو مذهب اللعين الأول [١] حيث نظر إلى ذاته و ذات آدم عليه السلام ففضل ذاته، إذ هي مخلوقة من النار و هي علوية نورانية، على ذات آدم و هو مخلوق من الطين، و هو سفلي ظلماني.
بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر و قبوله، فمن كان أقبل لأمره، و أطوع لحكمه و أرضى بقدره، فهو أشرف، و من كان على خلاف ذلك فهو أبعد و أخس، و أخبث، فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٢] و بالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، و بالحياة يستعد للعقل الغريزي، و بالعقل يكتسب الفضائل و يجتنب الرذائل، و من لم يقبل أمر الباري تعالى فلا روح له، و لا حياة، و لا عقل له، و لا فضيلة له، و لا شرف عنده.
قالت الصابئة:
الروحانيات فضلت الجسمانيات بقوتي العلم و العمل [٣].
[١] و اللعين الأول هو إبليس، و كان فضل النار على الطين، و إلى ذلك أشار بشار بن برد، و كان يدين بالرجعة، فقال:
الأرض مظلمة و النار مشرقة
و النار معبودة مذ كانت النار
(الأغاني ٣: ١٤٥).
[٢] سورة الإسراء: الآية ٨٥.
[٣] أما العلم فلاتفاق الحكماء على إحاطة الروحانيات السماوية بالمغيبات و اطلاعها على مستقبل الأمور، و أما العمل فلأنهم مواظبون على الخدمة دائما يسبحون الليل و النهار لا يفترون، لا يلحقهم نوم العيون-