الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٩
المادة؛ تشبثت بالطبيعة، و صارت المادة شبكة لها، فساح عليها الواهب الأول، فبعث إليها واحدا من عالمه، و ألبسه لباس المادة ليخلص الصور عن الشبكة، لا ليكون هو المتشبث بها، المنغمس فيها، المتوسخ بأوضارها [١]، المتدنس بآثارها، و إلى هذا المعنى أشار حكماء الهند رمزا بالحمامة المطوقة، و الحمامات الواقعة في الشبكة [٢].
ثم قالوا: معاشر الصابئة! أبدا تشنعون علينا بالمادة و لوازمها، و ما لم نفصل القول فيها لم ننج من تشنيعكم.
فنقول: النفوس البشرية و خصوصا النبوية من حيث إنها نفوس فهي مفارقة للمادة، مشاركة لتلك النفوس الروحانية: إما مشاركة في النوع بحيث يكون التمييز بالأعراض و الأمور العرضية، و إما مشاركة في الجنس بحيث يكون الفصل بالأمور الذاتية، ثم زادت على تلك النفوس باقترانها بالجسد أو بالمادة. و الجسد لم ينتقص منها، بل كملت هي لوازم الجسد، و كملت بها، حيث استفادت من الأمور الجسدانية ما تجسدت بها في ذلك العالم من العلوم الجزئية، و الأعمال الخلقية. و الروحانيات فقدت هذه الأبدان لفقدان هذا الاقتران، فكان الاقتران خيرا لا شرّ فيه، و صلاحا لا فساد معه، و نظاما لا ثبج [٣] له، فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟.
قالت الصابئة:
الروحانيات: نورانية علوية لطيفة. و الجسمانيات: ظلمانية، سفلية، كثيفة.
فكيف يتساويان؟ و الاعتبار في الشرف و الفضيلة بذوات الأشياء و صفاتها، و مراكزها و محالها. فعالم الروحانيات: العلو لغاية النور و اللطافة [٤]. و عالم الجسمانيات: السفل
[١] الأوضار، الواحد وضر: و هو وسخ الدسم و اللبن و غسالة السقاء.
[٢] و هي في كتاب كليلة و دمنة، و هي مثل عن إخوان الصفاء كيف يبتدئ تواصلهم و يستمتع بعضهم ببعض و العاقل لا يعدل بالإخوان شيئا فالإخوان هم الأعوان على الخير كله و المؤاسون عند ما ينوب من المكروه.
[٣] الثبج: الاضطراب و النتوء، و رجل ثبج: أي مضطرب الخلق.
[٤] فالعقول تشهد بأن النور أشرف من الظلمة، و العلوي خير من السفلي، و اللطيف أكمل من الكثيف.
هذا كله إشارة إلى المادة، و سبب الشرف الانقياد لأمر رب العالمين، ففي قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ-