الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٦
أجابت الحنفاء:
هذا الحكم الذي ذكرتموه، و هو كون الروحانيات موجودات بالفعل، غير مسلم على الإطلاق، لأن من الروحانيات، ما يكون وجوده بالقوة، أو ما هو فيه وجود بالقوة.
و يحتاج إلى ما وجوده بالفعل، حتى يخرجه من القوة إلى الفعل، فإن النفس لها استعداد القبول من العقل عندكم، و العقل له إعداد لكل شيء، و فيض على كل شيء، و أحدهما بالقوة، و الآخر بالفعل، و هذا لضرورة الترتب في الموجودات العلوية، فإن من لم يثبت الترتب فيها لم تتمش له قاعدة عقلية أصلا، و إذا ثبت الترتب فقد ثبت الكمال في جانب، و النقصان في جانب، فليس كل روحاني كاملا من كل وجه، و لا كل جسماني ناقصا من كل وجه. فمن الجسمانيات أيضا ما وجوده كامل بالفعل، و سائر النفوس أيضا محتاجة إليه، و ذلك أيضا لضرورة الترتب في الموجودات السفلية، و إن من لم يثبت الترتب لم تستمر له قاعدة عقلية أصلا. و إذا ثبت الترتب فقد ثبت الكمال في جانب، و النقصان في جانب. فليس كل جسماني ناقصا من كل وجه.
قالت: و إذا سلمتم لنا أن هذا العالم الجسماني في مقابلة ذلك العالم الروحاني، و إنما يختلفان من حيث إن ما في هذا العالم من الأعيان فهو آثار ذلك العالم، و ما في ذلك العالم من الصور فهو مثل هذا العالم، و العالمان متقابلان كالشخص و الظل، و إذا أثبتم في ذلك العالم موجودا ما بالفعل كاملا تاما، حتى تصدر عنه سائر الموجودات: وجودا، و وصولا إلى الكمال. فيجب أن تثبتوا في هذا العالم أيضا موجودا ما بالفعل كاملا تاما؛ حتى تصدر عنه سائر الموجودات: تعلما و وصولا إلى الكمال.
قالوا: و إنما طريقنا إلى التعصب للرجال و نيابة الرسل في الصورة البشرية، طريقكم في إثبات الأرباب عندكم و هي الروحانيات السماوية، و ذلك احتياج كل مربوب [١] إلى رب يدبره، ثم احتياج الأرباب إلى رب الأرباب.
[١] المربوب: من ربّ يرب الأمر إذا ساسه و قام بتدبيره، و الرب يطلق على اللّه تبارك و تعالى، و يطلق على مالك الشيء، فيقال: رب الدين و رب المال، و يستعمل بمعنى السيد و المدبّر و القيّم و المنعم، و منه-