الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٥
و من المعلوم أن كل نفس شريفة عالية زكية هذه حالها، لا تكون كنفس لا تنازعها قوة أخرى على خلاف طباعها، و حكم العنين [١] العاجز في امتناعه عن تنفيذ الشهوة، لا يكون كحكم المتصون الزاهد المتورع في إمساكه عن قضاء الوطر [٢] مع القدرة عليه. فإن الأول مضطر عاجز، و الثاني مختار قادر، حسن الاختيار، جميل التصرف. و ليس الكمال و الشرف في فقدان القوتين، و إنما الكمال كله في استخدام القوتين.
فنفس النبي عليه الصلاة و السلام كنفوس الروحانيين: فطرة، و وضعا. و بذلك الوجه وقعت الشركة. و فضلها و تقدمها باستخدام القوتين اللتين دونها، فلم تستخدمه.
و استعمالها في جانب الخير و النظام، فلم تستعمله، و هو الكمال.
قالت الصابئة:
الروحانيات صور مجردة عن المواد، و إن قدّر لها أشخاص تتعلق بها تصرفا و تدبيرا، لا ممازجة و لا مخالطة، فأشخاصها نورانية أو هياكل كما ذكرنا. و الفرض أنها إذا كانت صورا مجردة كانت موجودات بالفعل لا بالقوة: كاملة لا ناقصة: و المتوسط يجب أن يكون كاملا حتى يكمل غيره، و أما الموجودات البشرية فصور في مواد، و إن قدّر لها نفوس، فنفوسها إما مزاجية، و إما خارجة عن المزاج. و الفرض أنها إذا كانت صورا لفي مواد، كانت موجودات بالقوة لا بالفعل، ناقصة لا كاملة، و المخرج من القوة إلى الفعل يجب أن يكون أمرا بالفعل [٣]، و يجب أن يكون غير ذات ما يحتاج إلى الخروج، فإن ما بالقوة لا يخرج بذاته من القوة إلى الفعل، بل بغيره، و الروحانيات هي المحتاج إليها حتى تخرج الجسمانيات إلى الفعل، و المحتاج إليه كيف يساوي المحتاج؟.
[١] العنين: المعترض بالفضول.
[٢] الوطر: الحاجة و الأرب. قال اللّه تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً. قال الخليل: الوطر كل حاجة يكون لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل: قضى وطره و إربه.
[٣] لأن الفعل متقدّم على القوة منطقيا و زمانيا، كما أن الصورة متقدّمة على المادة. و البرهان على ذلك أن الأزلي متقدّم بالطبع على ما هو زائل. و لا يكون شيء أزليا بفضل القوة لأن ما له قوة الكون له أيضا قوة العدم.